إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان رسول الله يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى

956- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدٌ) ولأبي ذَرٍّ: ((زيد بن أسلم)) (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ) بفتح المهملة وسكون الرَّاء ثمَّ بالحاء المهملة، واسم جدِّه: سعدٌ، القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((كان النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَخْرُجُ يَوْمَ) عيد (الْفِطْرِ وَ) يوم عيد (الأَضْحَى إلى المُصلَّى) موضعٌ خارج باب المدينة، بينه وبين باب المسجد ألفٌ ذراعٍ.
قال ابن [1] شبَّة في «أخبار المدينة» عن أبي غسَّان صاحب مالكٍ: واستُدِلَّ به على استحباب الخروج إلى الصَّحراء لأجل صلاة العيد، وأنَّ ذلك أفضل من صلاتها في المسجد لمواظبته عليه الصلاة والسلام على ذلك، مع فضل مسجده، وهذا مذهب الحنفيَّة، وقال المالكيَّة والحنابلة: تُسَنُّ في الصَّحراء إلَّا بمكَّة، فبالمسجد الحرام لسعته، وقال الشَّافعيَّة: وفعلها في المسجد الحرام وبيت المقدس أفضل من الصَّحراء، تبعًا للسَّلف والخلف، ولشرفهما، ولسهولة الحضور إليهما، ولوسعهما، وفعلها في سائر المساجد إن اتَّسعت أو حصل مطرٌ ونحوه كثلجٍ أولى لشرفها، ولسهولة الحضور إليها، مع وسعها في الأوَّل، ومع العذر في الثَّاني، فلو صلَّى في الصَّحراء كان تاركًا للأَوْلى، مع الكراهة في الثَّاني دون الأوَّل، وإن ضاقت المساجد ولا عذر كُرِه فعلُها فيها للمشقَّة بالزِّحام وخرج إلى الصَّحراء، واستَخْلَفَ في المسجد من يصلِّي بالضُّعفاء كالشُّيوخ والمرضى ومن معهم من الأقوياء [2]، لأنَّ عليًّا استخلف أبا مسعودٍ الأنصاريَّ في ذلك، رواه الشَّافعيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.
(فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ) برفع «أوَّلُ» مبتدأٌ نكرةٌ مُخصَّصةٌ بالإضافة، خبرُه «الصَّلاة»، لكنَّ الأَوْلى جعل «أوَّل» خبرًا مُقدَّمًا، و«الصَّلاة»: مبتدأً لأنَّه معرفةٌ وإن تخصَّص «أوَّل» فلا يخرج عن التَّنكير، وجملة: «يبدأ به» في محلِّ جرٍّ صفةٌ لـ «شيءٍ».
(ثُمَّ يَنْصَرِفُ) عليه الصلاة والسلام من الصَّلاة (فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ) أي: مواجهًا لهم، ولابن حبَّان من طريق داود بن قيسٍ: «فينصرف إلى النَّاس قائمًا في مُصلَّاه» ولابن خزيمة: «خطب [3] يوم عيدٍ على رجليه» وفيه: إشعارٌ بأنَّه لم يكن إذ ذاك في المُصلَّى منبرٌ.
(وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (فَيَعِظُهُمْ) أي: يخوِّفهم عواقب الأمور (وَيُوصِيهِمْ) بسكون الواو، أي: بما تنبغي الوصيَّة به (وَيَأْمُرُهُمْ) بالحلال، وينهاهم عن الحرام (فَإِنْ) بالفاء، ولابن عساكر: ((وإنْ)) (كَانَ) عليه الصلاة والسلام (يُرِيدُ) في ذلك الوقت (أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا) بفتح المُوحَّدة وسكون المهملة ثمَّ مُثلَّثةٍ، أي: مبعوثًا من الجيش إلى الغزو (قَطَعَهُ، أَوْ) كان يريد أن (يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ) إلى المدينة.
(قَالَ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ وأبي الوقت: ((فقال)) (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ: (فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ) الابتداء بالصَّلاة والخطبة بعدها (حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ) بن الحكم (وَهْوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ) من قِبَلِ معاوية، والواو في «وهو» للحال (فِي) عيد (أَضْحًى، أَوْ) في عيد (فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُصَلَّى) المذكور (إِذَا مِنْبَرٌ) مبتدأٌ، خبره: (بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ) بفتح الصَّاد المُهمَلة [4] وسكون اللَّام ثمَّ مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ، ابن معاوية الكنديُّ التَّابعيُّ الكبير، المولود في الزَّمن
ج2ص209
النَّبويِّ، والعامل في «إذا» معنى المفاجأة، أي: فاجأنا مكان المنبر زمان الإتيان، أو الخبر مُقدَّرٌ، أي: هناك، فيكون بناه حالًا، وإنَّما اختصَّ كثيرٌ ببناء المنبر بالمُصلَّى لأنَّ داره كانت في قبلتها.
(فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ) أي: يريد صعود المنبر، فـ «أنْ» مصدريَّةٌ (قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) قال أبو سعيدٍ: (فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ) ليبدأ بالصَّلاة قبل الخطبة على العادة، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: ((فجبذته بثوبه)) (فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ) على المنبر (فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ) ولأصحابه: (غَيَّرْتُمْ وَاللهِ) سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه لأنَّهم كانوا يقدِّمون الصَّلاة على الخطبة، فحمله أبو سعيدٍ على التَّعيين.
(فَقَالَ) مروان: يا (أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ) قال أبو سعيدٍ: (فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ) أي: الَّذي أعلمه (وَاللهِ خَيْرٌ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: ((خيرٌ والله)) (مِمَّا لَا أَعْلَمُ) أي: لأنَّ الَّذي أعلمه طريق الرَّسول وخلفائه، والقَسَمُ معترضٌ بين المبتدأ والخبر.
(فَقَالَ) مروان معتذرًا عن ترك الأَوْلى: (إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَجَعَلْتُهَا) أي: الخطبة (قَبْلَ الصَّلَاةِ) فرأى أنَّ المحافظة على أصل السُّنَّة _وهو استماع الخطبة_ أَوْلَى من المحافظة على هيئةٍ فيها ليست من شرطها، ومذهب الشَّافعيَّة: لو خطب قبلها لم يُعتَّد بها [5]، وأساء، وأمَّا ما [6] فعل مروان بن الحكم من تقديم الخطبة فقد أنكره عليه أبو سعيدٍ كما ترى [7].
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون.
ج2ص210


[1] زيد في (ب): «أبي»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (م): «الأقرباء»، وهو تحريفٌ.
[3] في (د): «حطب»، وهو تصحيفٌ.
[4] «المهملة»: ليس في (د).
[5] في غير (ب) و(س): «به».
[6] «ما»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[7] «كما ترى»: ليس في (د).