إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: دخل علي رسول الله وعندي جاريتان تغنيان بغناء

949- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوبٍ، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((حدثَّنا أحمد بن عيسى)) وبذلك جزم أبو نُعيمٍ في «المستخرج»، واسم جدِّه حسَّان التُّسْتَرِيُّ، المصريُّ الأصل، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وأربعين ومئتين، وفي رواية أبي عليِّ بن شَبُّوَيه كما في «الفتح»: ((حدَّثنا أحمد بن صالحٍ)) وهو مقتضى إطلاق أبي عليِّ بن السَّكن حيث قال: كلُّ ما في «البخاريِّ»: «حدَّثنا أحمد» غير منسوبٍ فهو ابن صالحٍ.
(قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هو ابن الحارث (أَنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل بن الأسود (الأَسَدِيَّ) بفتح الهمزة والسِّين المهملة، القرشيَّ، المُتوفَّى سنة سبع عشرة ومئةٍ (حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: ((دخل عليَّ النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أيَّام مِنًى (وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ) أي: دون البلوغ، من جواري الأنصار (تُغَنِّيَانِ) ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب، وهو قريب من الحُدَاء، وتدفِّفان، أي: تضربان بالدُّفِّ؛ بضمِّ الدَّال، إحداهما لحسَّان بن ثابتٍ كما في «الطَّبرانيِّ»، أو كلاهما لعبد الله بن سلامٍ، كما في «أربعين السَّلميِّ»، وفي «العيدين» لابن أبي الدُّنيا من طريق فُليحٍ عن هشام بن عروة عن أبيه بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة قالت: «دخل عليُّ أبو بكرٍ، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم متقنِّعٌ، وحمامةُ وصاحبتها تغنِّيان عندي» لكن لم يذكر أحدٌ من مصنِّفي أسماء الصَّحابة حمامةُ هذه، نعم ذكر الذَّهبيُّ في «التَّجريد»: حمامة أمُّ بلالٍ، اشتراها أبو بكرٍ وأعتقها.
(بِغِنَاءِ) بكسر المعجمة والمدِّ، يوم (بُعَاثَ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح العين المُهمَلة آخره مُثلَّثةٌ، بالصَّرف وعدمه، وقال عياضٌ: أعجمها أبو عُبيدٍ وحده، وقال ابن الأثير: أعجمها الخليل، لكن جزم أبو موسى في «ذيل الغريب»، وتبعه صاحب «النِّهاية»: بأنَّه تصحيفٌ. انتهى. وهو اسم حصنٍ وقع الحرب عنده بين الأوس والخزرج، وكان به مقتلةٌ عظيمةٌ، وانتصر الأوس على الخزرج، واستمرَّت المقتلة مئةً وعشرين سنةً، حتَّى جاء الإسلام، فألَّف الله بينهم ببركة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كذا ذكره ابن إسحاق، وتبعه البرماويُّ وجماعةٌ من الشُّرَّاح، وتُّعقِّب بما رواه ابن سعدٍ بأسانيده: أنَّ النَّفر السَّبعة أو الثَّمانية الَّذين لَقَوه عليه الصلاة والسلام بمنًى، أوَّل من لقيه من الأنصار، كان من جملة ما قالوه لمَّا دعاهم إلى الإسلام والنُّصرة: إنَّما كانت وقعة بعاث [1] عام الأوَّل، فموعدك الموسم القابل، فقدموا في السَّنة الَّتي تليها فبايعوه البيعة الأولى، ثمَّ قدموا الثَّانية فبايعوه، وهاجر عليه الصلاة والسلام في أوائل الَّتي تليها، فدلَّ ذلك على أنَّ وقعة بعاث كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو المعتمد، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في أوائل «الهجرة» [خ¦3931].
(فَاضْطَجَعَ) عليه الصلاة والسلام (عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ) للإعراض عن ذلك لأنَّ مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إليه، لكنَّ عدم إنكاره يدلُّ على تسويغ مثله على الوجه الَّذي أقرَّه؛ إذ إنَّه عليه الصلاة والسلام لا يُقِرُّ على باطلٍ، والأصل: التَّنزُّه عن اللَّعب واللَّهو، فيقتصر على ما ورد فيه النَّصُّ وقتًا وكيفيَّةً (وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَانْتَهَرَنِي) أي: لتقريرها لهما على الغناء، وللزُّهريِّ: «فانتهرهما» أي: الجاريتين لفعلهما ذلك، والظَّاهر على طريق الجمع أنَّه شرك بينهنَّ في الزَّجر.
(وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رسول [2] الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) بكسر الميم آخره هاء تأنيثٍ؛ يعني: الغناء أو الدُّفُّ لأنَّ المزمارة والمزمار مُشتَقٌّ من الزَّمير؛ وهو الصَّوت الَّذي له صفيرٌ، ويُطلَق على الصَّوت الحسن، وعلى الغناء، وأضافها إلى الشَّيطان لأنَّها تلهي القلب عن ذكر الله تعالى، وهذا من الشَّيطان، وهذا من الصِّدِّيق رضي الله عنه إنكارٌ لِما سمع، معتمدًا على ما تقرَّر عنده من تحريم اللَّهو والغناء مُطلَقًا، ولم يعلم أنَّه صلى الله عليه وسلم أقرهنَّ على هذا [3] القدر اليسير لكونه دخل فوجده مضطجعًا، فظنَّه نائمًا، فتوجَّه له الإنكار.
(فَأَقْبَلَ
ج2ص204
عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فَقَالَ): يا أبا بكرٍ (دَعْهُمَا) أي: الجاريتين، ولابن عساكر: ((دعها)) أي: عائشة، وزاد في رواية هشامٍ: «يا أبا بكرٍ، إنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا» [خ¦952] فعرَّفه عليه الصلاة والسلام الحال مقرونًا ببيان الحكمة بأنَّه يوم عيدٍ، أي: يوم سرورٍ شرعيٍّ، فلا يُنكَر فيه مثل هذا، كما لا يُنكَر في الأعراس.
قالت عائشة: (فَلَمَّا غَفَلَ) أبو بكرٍ؛ بفتح الفاء (غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا) بفاء العطف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((خرجتا)) بدون الفاء، بدلٌ أو استئنافٌ.
950- (وَ) قالت عائشة: (كَانَ) ذلك (يَوْمَ عِيدٍ) وهذا حديثٌ آخر، وقد جمعه مع السَّابق بعض الرُّواة، وأفردهما آخرون (يَلْعَبُ السُّودَانُ) ولأبي ذَرٍّ [4]: ((يلعب فيه السُّودان)) وللزُّهريِّ: «والحبشة يلعبون في المسجد» [خ¦454] (بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: ((فإمَّا سألت رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، وَإِمَّا قَالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟) أي: النَّظر إلى لعب السُّودان؟ (فقلت: نَعَمْ) أشتهي (فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ) حال كوني (خَدِّي عَلَى خَدِّهِ) متلاصقين (وَهُوَ) عليه الصلاة والسلام (يَقُولُ) للسُّودان، آذنًا لهم ومنشِّطًا: (دُونَكُمْ) بالنَّصب على الظَّرف بمعنى الإغراء، أي: الزموا هذا [5] اللَّعب (يَا بَنِي أَرْفِدَةَ) بفتح الهمزة وإسكان الرَّاء وكسر الفاء، وقد تُفتَح، وبالدَّال المهملة، وهو جدُّ الحبشة الأكبر، وزاد الزُّهريُّ عن عروة: فزجرهم عمر، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أمنًا بني أَرْفِدَة».
(حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ) بكسر اللَّام الأولى (قَالَ: حَسْبُكِ؟) أي: يكفيك هذا القدر؟ بحذف همزة الاستفهام المُقدَّرة، كذا قاله البرماويُّ وغيره كالزَّركشيِّ، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا داعيَ إليه، مع أنَّ في جوازه كلامًا. انتهى. يشير إلى ما نقله في حاشيته _رحمه الله تعالى_ على «المغني» من [6] تصريح بعضهم بأنَّ حذفها عند أمن اللَّبس من الضَّرورات.
وللنَّسائيِّ من رواية يزيد بن رومان: «أَمَا شبعتِ؟ أما شبعت [7]؟» قالت: فجعلت أقول: لا لأنظرَ منزلتي عنده، وله من رواية أبي سَلَمَة عنها: قلت: يا رسول الله، لا تعجل، فقام لي، ثمَّ قال: «حسبك؟» قلت: لا تَعْجَلْ، قالت [8]: وما بي حبُّ النَّظر إليهم، ولكنِّي أحببت أن يبلُغَ النِّساءَ مقامُه لي، ومكاني منه.
(قُلْتُ: نَعَمْ) حسبي (قَالَ: فَاذْهَبِي) فإن قلت: قولها: «نعم» يقتضي فهمها الاستفهام أجاب في «المصابيح» بأنَّه ممنوعٌ لأنَّ «نعم» تأتي لتصديق المخبر [9]، ولا مانع من جعلها هنا كذلك، واستدلَّ به على جواز اللَّعب بالسِّلاح على طريق التَّدريب [10] للحرب، والتَّنشيط له، ولم يُرِد المؤلِّف الاستدلال على أنَّ حمل الحِراب والدَّرَق من سنن العيد كما فهمه ابن بطَّالٍ عنه [11]، وإنَّما مراده الاستدلال على أنَّ العيد يُغتفَر فيه من اللَّهو واللَّعب ما لا يُغتفَر في غيره، فهو استدلالٌ على إباحة ذلك، لا على ندبه، فإن قلت: قد اتَّفق على أنَّ نظر المرأة إلى وجه الأجنبيِّ حرامٌ بالاتِّفاق إذا كان بشهوةٍ، وبغيرها على الأصحِّ، فكيف أقرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عائشة على رؤيتها للحبشة؟ أجيب بأنَّها ما كانت تنظر إلَّا إلى لعبهم بحرابهم، لا إلى وجوههم وأبدانهم.
ج2ص205


[1] في (د): «بغاث»، وهو تصحيفٌ، وكذلك في الموضع اللَّاحق.
[2] في (س): (النَّبيِّ).
[3] في (ص): «ذلك».
[4] «يلعب السُّودان، ولأبي ذَرٍّ»: سقط من (د).
[5] «هذا»: ليس في (ص) و(م).
[6] في (د) و(ص): «عن».
[7] زيد في (د): «أما شبعتِ»، وهو تكرارٌ.
[8] «قالت»: ليس في (د).
[9] في (م): «الخبر».
[10] في (م): «التَّدرُّب».
[11] «عنه»: ليس في (ب) و(س).