إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم}

(35) (باب) بيان سبب نزول (قول اللّه تعالى) ولأبي ذرٍّ: ((عَزَّ وَجَلَّ)): ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}) أي: شهادة اثنين، فحُذِف المضاف، وأُقيمَ المضاف إليه مقامه، والتَّقدير: فيما أُمِرتُم شهادةُ بينكم، والمراد بالشهادة: الإشهاد، وأضافها [1] إلى الظَّرف على الاتِّساع ({إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ}) {أَحَدَكُمُ}: نصبٌ على المفعوليَّة، و{إِذَا حَضَرَ}: ظرفٌ لـ «الشَّهادة» وحضور الموت: مشارفته، وظهور أمارات بلوغ الأجل ({حِينَ الْوَصِيَّةِ}) بدلٌ مِن {إِذَا حَضَرَ} قال في «الكشَّاف»: وفي إبداله منه دليلٌ على وجوب الوصيَّة، وأنَّها من الأمور اللَّازمة الَّتي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها، وخبر المبتدأ الَّذي هو {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} قوله: ({اثْنَانِ}) وجوَّز الزمخشري: أن يكون {اثْنَانِ} فاعل {شَهَادَةُ بَيْنكُمْ} على معنى [2]: فيما فُرِض عليكم أن يشهد اثنان ({ذَوَا عَدْلٍ}) أي: أمانةٍ وعقلٍ ({مِنْكُمْ}) من المسلمين أو من أقاربكم ({أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}) من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب عند فقد المسلمين؛ أو من غير أقاربكم ({إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}) أي: سافرتم فيها ({فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ}) أي: قاربتموه [3] وهذان شرطان [4] لجواز استشهاد الذِّميِّين عند فقد المسلمين أن يكون ذلك في سفرٍ وأن يكون في وصيَّةٍ، وهذا مرويٌّ عن الإمام أحمد، وهو من أفراده، وخالفه الأئمَّة الثَّلاثة في ذلك، وأنَّ هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وقد أجمعوا على ردِّ شهادة الفاسق، والكافرُ شرٌّ من الفاسق، نعم، جوَّز أبو حنيفة شهادة الكفَّار بعضِهم على بعضٍ ({تَحْبِسُونَهُمَا}) تمسكونهما لليمين، ليحلفا ({مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ}) صلاة العصر أو صلاة أهل دينهما ({فَيُقْسِمَانِ}) فيحلفان ({بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ}) أي: ظهرت لكم ريبةٌ من اللَّذين ليسا من أهل ملَّتكم أنَّهما خانا، فيحلفان حينئذٍ [5] بالله ({لَا نَشْتَرِي بِهِ}) بالقسم ({ثَمَنًا}) لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدُّنيا الفانية الزَّائلة ({وَلَوْ كَانَ}) المشهود عليه ({ذَا قُرْبَى}) أي: قريبًا إلينا، وجوابه محذوفٌ، أي: {لَا نَشْتَرِي} ({وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ}) أي: الشَّهادة الَّتي أمر الله بإقامتها ({إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ}) إن كتمناها ({فَإِنْ عُثِرَ}) فإن اطُّلِع ({عَلَى أَنَّهُمَا}) أي: الشَّاهدين ({اسْتَحَقَّا إِثْمًا}) أي: استوجباه بالخيانة والحنث في اليمين ({فَآخَرَانِ}) فشاهدان آخران من قرابة الميت ({يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ استُحِقَّ عَلَيْهِمُ}) الإثم، أي: فيهم ولأجلهم، وهم ورثة الميِّت، استحقَّ الحالفان بسببهم الإثم، فـ «على» بمعنى: «في» كقوله: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] أي: في ملك سليمان ({الأَوْلَيَانِ}) بالرَّفع خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هما الأوليان، كأنَّه قيل: ومَن هما [6]؟ فقيل: هما الأوليان. وقيل: بدلٌ من الضَّمير في {يَقُومَانِ} أو من {آخَرَانِ} أي: الأحقَّان بالشَّهادة لقرابتهما ومعرفتهما من الأجانب ({فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا}) أي: أصدق منهما وأولى بأن تُقبَل ({وَمَا اعْتَدَيْنَا}) فيما قلنا فيهما من الخيانة ({إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}) إن كنَّا قد كذَّبنا عليهما. ومعنى الآيتين _كما قاله القاضي_: أنَّ المحتَضِر إذا أراد الوصيَّة ينبغي أن يُشْهِد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيَّته، أو يوصي إليهما احتياطًا، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثمَّ إن وقع نزاعٌ وارتيابٌ، أقسما على صدق ما يقولان بالتَّغليظ في الوقت، فإن اطُّلِعَ على أنَّهما كذبا بأمارةٍ ومظنَّةٍ، حلف آخران من أولياء الميِّت، والحكم منسوخٌ إن كان الاثنان شاهدين، فإنَّه لا يحلف
ج5ص29
الشَّاهد ولا يعارِض يمينه بيمين الوارث، وثابتٌ إن كانا وصيَّين ورُدَّ اليمين إلى الورثة إمَّا لظهور خيانة الوصيين، فإنَّ تصديق الوصيِّ باليمين لأمانته أو لتغيير الدَّعوى ({ذَلِكَ}) الَّذي تقدَّم من بيان الحكم ({أَدْنَى}) أقرب ({أَنْ يَأْتُوا}) أي: الشُّهداء على نحو تلك الحادثة ({بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}) من غير تحريفٍ ولا خيانةٍ فيها ({أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ}) أي: أقرب إلى أن يخافوا ردَّ اليمين بعد يمينهم على المدَّعين، فيحلفون على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحون ويُغرَّمون [7]، وإنَّما جمع الضَّمير [8]؛ لأنَّه حكمٌ يعمُّ الشُّهود كلَّهم ({وَاتَّقُوا اللهَ}) أن تحلفوا كاذبين أو تخونوا ({وَاسْمَعُوا}) الموعظة ({وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 106-108] ) أي: لا يرشد من كان على معصيةٍ، وساق في رواية أبي ذرٍّ من قوله: (({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إلى قوله: {مِنْ غَيْرِكُمْ})) ثمَّ قال: ((إلى قوله: {وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الْفَاسِقِينَ})).
وقال المؤلِّف: ({الأَوْلَيَانِ}: واحدهما أولى، ومنه: أولى به) أي: أحقُّ به، وقوله: ({عُثِرَ}) أي: (أُظهِر) قاله أبو عبيدة في «المجاز» ({أَعثَرنَا} [الكهف: 21] ) أي: (أظهرنا) قاله الفرَّاء، وهذا كلُّه ثابتٌ في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ فقط.
ج5ص30


[1] في (د): «وإضافتها».
[2] في (د): «معين»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (ب) و(س): «قاربتموها».
[4] في (د): «الشرطان».
[5] «حينئذٍ»: ليس في (د).
[6] «هما»: ليس في (د).
[7] «فيفتضحون ويغرَّمون»: مثبتٌ من (د).
[8] «الضَّمير»: ليس في (د).