غاية المرام في رجال البخاري إلى سيد الأنام

أحمد بن صالح المصري

          39 # أحمد بن صالح المصريُّ، أبو جعفر ابن الطَّبَريِّ.
          أحدُ الأئمَّة الحفَّاظ للحديث، المتقنين الجامعين بين الفقه والحديث.
          أكثرَ عنه البخاريُّ وأبو داود، واعتمده الذُّهْلِيُّ في كثير من حديث أهل الحجاز، ووثَّقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعِين _فيما نقله عنه البخاريُّ_ وابن المَدِينيِّ، وابن نُمَير، والعِجْليُّ، وأبو حاتِم الرَّازيُّ، وآخرون.
          قال السُّبكيُّ(1) هو أحد أركان العلم، وجَهَابذة الحفَّاظ، كان أبوه جندياً / من أَجْناد طَبَرِسْتان، فولد له أحمد بمصر سنة سبعين ومئة.
          قال ابن نُمير: إذا جاوزتَ الفُرَات(2) فليس تجد مثله. وقال ابن مَعِين: سلوه؛ فإنَّه أَثْبَت. وقال أبو نُعَيم: ما قدم علينا أحد أعلمَ بحديث أهل الحجاز منه.
          قال أحمد بن صالح: كان عند ابن وَهْب مئة ألف حديث، كتبتُ عنه خمسين ألفاً، وكتبتُ عن ابن زُبَالة مئة ألف حديث، ثمَّ تبيَّن لي أنَّه كان يضع الحديث، فتركته.
          قال أبو بكر بن زَنْجويه: قدمت مصر(3) فلقيت أحمد بن صالح، فقال: من أين أنت؟ قلت: من بغداد، قال: أين منزلك من أحمد بن حنبل؟ قلت: من أصحابه. قال: تكتب لي منزلَك، فإنِّي أريد أن آتي العراق حتَّى تجمع بيني وبين أحمد. فكتبتُ له، فوافَى العراق، فلقيني، فقال: الموعد. فذهبت إلى أحمد، واستأذنت له، فأذن له، وقام له(4) ورحَّب به، وقرَّبه، وقال: بلغَني أنَّك جمعتَ حديث الزُّهريِّ، فتعال حتَّى نذكرَ ما رواه عن الصَّحابة، فتذاكرا، ولا يُغرِب أحدهما(5) على الآخر، حتَّى فَرَغا، وما رأيت أحسن من مذاكرتهما، ثمَّ تذاكرا ما رَوَى عن أولاد الصَّحابة، إلى أن قال أحمد بن حنبل: عند الزُّهريِّ، عن محمَّد بن جُبير، عن عبد الرَّحمن بن عوف، قال النَّبيُّ صلعم: «ما يَسرُّني أنَّ لي حُمْرَ النَّعَم، وأنَّ لي حِلْفَ المُطَيَّبين»(6) فقال ابن صالح: أنت الأستاذ، وتذكرُ مثل هذا؟! فتبسَّم ابن حنبل، وقال: رَوَى عن الزُّهريِّ عبدُ الرَّحمن بن إسحاق. فقال: مَنْ روى عن عبد الرَّحمن؟ قال: إسماعيل بن عُلَيَّة وبِشْر بن المُفَضَّل. فقال: سألتك اللهَ إلَّا ما أمليتَ عليَّ. فقام أحمد، وأخرج الكتاب، وأملى عليه، فقال ابن صالح: لو لم أستفد من العراق إلَّا هذا الحديث لكان كثيراً. ثم ودَّعه وخرج.
          - تتمَّة في بيان حِلْفِ المُطَيَّبين:
          وذلك أنَّ الحِلْفَ على التَّناصر والغارات والخير والشرِّ كان من عادة العرب، وكان من أحلافهم(7) حِلْفان، أحدهما: يسمَّى حِلْف المطيَّبين، وكان رسول الله صلعم وأبو بكر منهم، والثَّاني: الأحلاف(8) وكان عمر منهم، فالمطيَّبون هم: أَسَد، وزُهْرة، (وتَيْم)، والأحلاف هم: عبد الدَّار، وجُمَح، ومَخْزوم، وعَدِيٌّ، وكَعْب، وسَهْم، وسُمُّوا بذلك لأنَّ بني عبد مَنَاف لمَّا أرادوا أَخْذَ ما في يد(9) بني عبد الدَّار من الحِجَابة(10) والرِّفَادة والسِّقاية، وأَبَتْ عبد الدَّار، عَقَد كلُّ قوم على أمرهم(11) حِلْفاً على أن لا يتخاذلوا، فاجتمع في دار ابن جُدْعَان(12) في الجاهليَّة: بنو هاشم، وزُهرة، وتَيم، وأخرجوا جَفْنَةً مملوءةً طِيْباً، فوضعوها لأحلافهم، وغَمَسوا أيديهم فيها، وتحالفوا على التَّناصُر، والأخذ للمظلوم من الظَّالم، فسمُّوا المطيَّبين، وتعاقدت /
          بنو عبد الدَّار وحلفاؤهم حِلْفاً آخر، فسمُّوا الأحلاف.
          سمع: عبدَ الله بن وَهْب، وعَنْبَسة بن خالد، وابنَ عُيينة، وحَرَميَّ بن عُمَارة، وابن أبي فُدَيك، وعبد الرَّزَّاق، وعبد الله بن نافع، والشَّافعيَّ.
          روى عنه: البخاريُّ في الأضاحي(13) ومواضع كثيرة من غير واسطة، ونقل عنه مرَّةً، عن محمَّد عنه، أي بواسطة محمَّد _قال الكلاباذيُّ(14) وأحسبه محمَّد بن يحيى الذُّهليَّ_ وذلك في أوَّل كتاب التَّوحيد(15) [خ¦7375] .
          وروى عنه أيضاً: عَمْرو النَّاقد، ومحمَّد بن عبد الله بن نُمَير، والذُّهليُّ، ومحمود بن غَيْلان(16) وأبو زُرْعة، وصالح جَزَرة، وأبو إسماعيل التِّرْمذيُّ، وخلقٌ كثير.
          ودخل بغدادَ وناظر أحمدَ بن حنبل. قال أبو زُرْعة: سألني أحمد بن حنبل: مَنْ بمصر؟ فقلت: أحمد بن صالح، فَسُرَّ بذكره، ودعا له.
          وقال البخاريُّ: هو ثقة، ما رأيت أحداً يتكلَّم فيه بحجَّة.
          وقال يعقوب: كتبتُ عن ألف شيخٍ وكبيرٍ، حجَّتي فيما بيني وبين الله رجلان: أحمد بن حنبل (ببغداد)(17) وأحمد بن صالح (بمصر).
          وقال بعضهم: الحفَّاظ: أحمد بن حنبل ببغداد، وأحمد بن صالح بمصر، والنُّفيَليُّ بحَرَّان، وابن نُمَير بالكوفة، هؤلاء أركان الدِّين.
          لكنْ تكلَّم فيه النَّسائيُّ، وقال: أحمد ليس بثقة، ولا مأمون، تركه محمَّد بن يحيى، (ورماه يحيى) بن مَعِين بالكذب.
          قال أبو بكر الخطيب: كان آفة أحمد الكِبْر وشَرَاسة الخُلق، وأمَّا النَّسائيُّ، فكان مُسِيءَ الرأي فيه. قال: أخبرني معاوية بن صالح، قال: سألت يحيى بن مَعِين عن أحمد بن صالح، فقال: كذَّاب يتفلسف، رأيته كذا يخطر في جامع مصر. والسَّبب الحامل للنَّسائيِّ في ذلك: أنَّ النَّسائيَّ نال منه جفاء في مجلسه، وطُرد من مجلسه، فذلك الذي أفسد بينهما حتَّى تكلَّم فيه.
          قال أبو جعفر العُقَيْليُّ: كان أحمد لا يحدِّث أحداً حتَّى يسألَ عنه، فلمَّا قدم النَّسائيُّ مصر جاء إليه، وقد صحب قوماً من أهل الحديث لا يرضاهم أحمد، فأبى أن يحدِّثه، فذهب النَّسائيُّ وجمع الأحاديث التي وَهِمَ فيها أحمد، وشرع يشنِّع عليه.
          وما ضرَّه ذلك، كما قال ابن حجر(18) فإنَّ ابن عديٍّ قال: إنَّ أحمد من الحفَّاظ المشهورين بمعرفة الحديث. وأجاب عن الأحاديث التي أنكر عليها النَّسائيُّ.
          قال ابن حجر: وليس في البخاريِّ مع ذلك منها شيء.
          قال السُّبكيُّ(19) منها ما رَوَى عن ابن وَهْب، عن مالك، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة: «الدِّين النَّصيحة». [الحديث،] وقد رواه يونس بن عبد الأَعْلَى أيضاً، عن ابن وَهْب. /
          قال صالح جَزَرة: لم يكن أحد بمصر يحفظ الحديث غير(20) أحمد بن صالح، وكان يذاكرُ [بحديث](21) الزُّهريِّ بِحِفظه(22)
          وقال ابن حِبَّان(23) ما رواه النَّسائيُّ عن يحيى بن مَعِين في حقِّ أحمد بن صالح فهو وهم، وإنَّما هو رجل آخر يقال له: أحمد بن صالح الشُّمُوميُّ، شيخ بمكَّة مشهور بوضع الحديث، ولم يَعْنِ أحمدَ بن صالح هذا، فإنَّه كان من أقرانه في الضَّبْط والإتقان، وترجَّح عليه في حديث أهل مصر والحجاز.
          قال ابن حجر(24) وهو في غاية التَّحرير، ويؤيِّده ما نقلناه أوَّلاً عن البخاريِّ: أنَّ يحيى بن مَعِين وثَّقه، فتبيَّن أنَّ النَّسائيَّ تفرَّد بتضعيفه بما لا يُقبل؛ حتَّى قال الخَلِيْليُّ: اتَّفق العلماء على أنَّ كلامه فيه تحاملُ(25) ولا يقدح كلام أمثاله فيه، وقد نُقِم على النَّسائي كلامه فيه.
          قال ابن العربيِّ: هو إمام ثقة من أئمَّة المسلمين، لا يؤثِّر فيه تجريحٌ، وإنَّ هذا القول لَيَحُطُّ من النَّسائيِّ أكثر مما يَحْطُّ من أحمد بن صالح.
          وكذا قال البَاجِيُّ أيضاً(26)
          مات في ذي القَعدة سنة ثمان، أو ثلاث وأربعين ومئتين.


[1] طبقات الشَّافعيَّة الكبرى:2/ 6.
[2] في (ن): (الفراة).
[3] سقط من (ف) قوله: قدمت مصر.
[4] في (ن) و(ه): (عنه) والمثبت من (س).
[5] سقط من جميع النسخ (أحدهما) وأثبتها ليستقيم الكلام.
[6] أخرجه الإمام أحمد في مسنده: (1655 و1676).
[7] في (ن) تصحيفاً: (أخلاقهم).
[8] في (ن) تصحيفاً: (الأخلاق).
[9] سقطت (يد) من (س).
[10] في (ن) تصحيفاً: (الحجامة).
[11] في (ن) تصحيفاً: (إبراهيم).
[12] في (ن): (جذعان).
[13] لم أجده في كتاب الأضاحي، ووجدته بعده في كتاب الأشربة برقم (5578).
[14] الهداية والإرشاد:1/ 35.
[15] هذا في بعض النسخ، والأكثر دون ذكر محمد. هذا قاله ابن حجر. انظر فتح الباري:12/356.
[16] في (ن) تصحيفاً: (عيان).
[17] سقط من (ن) و(ف) قوله: (ببغداد) و(بمصر).
[18] مقدمة الفتح: ص386.
[19] طبقات الشَّافعيَّة الكبرى:2/ 7-8.
[20] في (ن) تصحيفاً: (على).
[21] ما بين معقوفتين سقط من (ن) وسائر النسخ والمثبت من مقدمة الفتح: ص386.
[22] في (ف) و(س): (لحفظه).
[23] الثِّقات:8/ 25-26.
[24] مقدمة الفتح: ص386.
[25] في (ن) تصحيفاً: (كامل).
[26] التعديل والتجريح:1/ 325.