إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: شدة الحر من فيح جهنم

535- وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الشِّين [1] المُعجَمة، وللأربعة: ((محمَّد ابن بشَّارٍ)) المُلقَّب ببندارٍ العبديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) اسمه محمَّد بن جعفرٍ، ابن امرأة شعبة (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ) بضمِّ الميم بلفظ اسم الفاعل، وهو اسمٌ له وليس بوصفٍ، و«ال» فيه كالَّتي في «العبَّاس» (سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ)
ج1ص486
الهمدانيَّ الجهنيَّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ الصَّحابيِّ رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) بلالٌ (الظُّهْرَ) بالنَّصب، أي: في [2] وقت الظُّهر، فحذف المضاف الَّذي هو الوقت وأُقيم الظُّهر مقامه، وبهذا يُرَدُّ على الزَّركشيِّ حيث قال: إنَّ الصَّواب «بالظُّهر»، أو [3] «للظُّهر» (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام لبلالٍ رضي الله عنه: (أَبْرِدْ أَبْرِدْ) مرَّتين (أَوْ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (انْتَظِرِ انْتَظِرْ) مرَّتين كذلك، فإن قلت: الإبراد للصَّلاة، فكيف أمر المؤذِّن به للأذان؟ أُجيب: بأنَّه مبنيٌّ [4] على أنَّ الأذان هل هو للوقت أو للصَّلاة؟ وفيه خلافٌ مشهورٌ، وظاهر هذا يقوِّي القول بأنَّه للصَّلاة؛ لأنَّ الأذان قد وقع وانقضى، أو [5] أنَّ المراد بالأذان الإقامة، ويؤيِّده حديث التَّرمذيِّ بلفظ: «فأراد بلالٌ أن يقيم»، وفي رواية البخاريِّ الآتية _إن شاء الله تعالى_ في التَّالي: فأراد المؤذِّن أن يؤذِّن للظُّهر، فقال له: «أبرد» [خ¦539] وهي تقتضي أنَّ الإبراد راجعٌ إلى الأذان، وأنَّه منعه من الأذان في ذلك الوقت (وَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ) أي: إذا اشتدَّ الحرُّ فتأخَّروا عن الصَّلاة مبردين، قال أبو ذَرٍّ: وكان يقول ذلك (حَتَّى) أي: أخَّرنا إلى أن (رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتخفيف اللَّام، جمع تَلٍّ بفتح أوَّله: كلُّ ما اجتمع على الأرض من ترابٍ أو رملٍ أو نحوهما، وهي في الغالب مُسطَّحةٌ [6] غير شاخصةٍ، لا يظهر لها ظلٌّ، إلَّا إذا ذهب أكثر وقت الظُّهر، والفيء: ما بعد الزَّوال، والظِّلُّ: أعمُّ منه، يكون لما قبل وما بعد، و«التُّلول» لانبساطها [7] لا يظهر فيها عقب الزَّوال فيءٌ بخلاف الشَّاخص المرتفع. نعم دخول وقت الظُّهر لا بدَّ فيه من فيءٍ، فالوقت لا يتحقَّق دخوله إِلَّا عند وجوده، فيُحمَل الفيء هنا على الزَّائد على هذا المقدار، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في «باب الإبراد في السَّفر» [خ¦539].
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مدنيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦539] وفي «صفة النَّار» [خ¦3258]، ومسلمٌ وأبو داود وابن ماجه في «الصَّلاة».
ج1ص487


[1] «الشِّين»: مثبتٌ من (م).
[2] «في»: سقط من (د) و(ص).
[3] في (م): «و».
[4] في (د): «ينبني»، وفي (م): «يتبنَّى».
[5] في (م): «و».
[6] في (د): «منبطحةٌ».
[7] في (م): «لا ينشأ ظلُّها و».