إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: مواقيت الصلاة وفضلها

521- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللَّام، القعنبيُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) إمام الأئمَّة هو [1] ابن أنسٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان، أحد الخلفاء الرَّاشدين رضي الله عنه (أَخَّرَ الصَّلَاةَ) أي: صلاة العصر (يَوْمًا) حتَّى خرج الوقت المُستحَبُّ، لا أنَّه أخَّرها حتَّى غربت الشَّمس، ولا يليق أن يُظَنَّ به أنَّه أخَّرها عن وقتها، وحديث: «دعا المؤذِّن لصلاة العصر، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصلِّيها» المرويُّ في «الطَّبرانيِّ» محمولٌ على أنَّه قارب المساء لا أنَّه دخل فيه، وقد جوَّز جمهور العلماء التَّأخير ما لم يخرج الوقت (فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) الصَّحابيَّ رضي الله عنه (أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا) لفظة «يومًا» تدلُّ على أنَّه كان نادرًا من فعله (وَهْوَ بِالْعِرَاقِ) جملةٌ وقعت حالًا من «المغيرة»، والمُراد: عراق العرب، وهو من عبادان للموصل [2] طولًا، ومن القادسيَّة لحلوان عرضًا، ووقع في «المُوطَّأ» رواية القعنبيِّ وغيره عن مالكٍ: «وهو بالكوفة» وهي من جملة العراق، فالتَّعبير بها أخصُّ من التَّعبير بالعراق، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا عليها من قِبَل معاوية بن أبي سفيان (فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريُّ (الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا هَذَا) التَّأخير (يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ) قال الزَّركشيُّ وابن حجرٍ والعينيُّ والبرماويُّ: الأفصح «ألست» بالتَّاء؛ لأنَّه خاطب حاضرًا، لكن الرِّواية: «أليس» بصيغة مخاطبة الغائب [3]، وهي جائزةٌ، وتعقَّب ذلك في «مصابيح الجامع» بأنَّه يوهم جواز استعمال هذا التَّركيب مع
ج1ص477
إرادة أن يكون ما دخلت عليه ضمير المُخاطَب، وليس كذلك بل هما تركيبان مختلفان، وليس أحدهما بأفصح من الآخر، فإنَّه يُستعمَل كلٌّ منهما في مقامٍ خاصٍّ، فإن أُريد إدخال «ليس» على ضمير المُخاطَب تعيَّن «ألست قد علمت»، و [4] إن أُريد إدخالها على ضمير الشَّأن مُخبَرًا عنه بالجملة الَّتي أُسنِد فعلها إلى المُخاطَب تعيَّن «أليس» (قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ) صلوات الله عليه وسلامه (نَزَلَ) صبيحة ليلة الإسراء المفروض فيها الصَّلاة [5] (فَصَلَّى) وسقط «فصلَّى» لابن عساكر، زاد في رواية أبي الوقت: ((برسول الله عليه الصلاة والسلام)) (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم ثُمَّ صَلَّى) جبريل صلوات الله عليه وسلامه (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم ثُمَّ صَلَّى) جبريل صلوات الله وسلامه عليه (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم ثُمَّ صَلَّى) جبريل صلوات الله عليه وسلامه (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم ثُمَّ صَلَّى) جبريل صلوات الله عليه وسلامه (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) بتكرير صلواتهما خمس مرَّاتٍ، وعبَّر بـ «الفاء» في صلاة الرَّسول صلى الله عليه وسلم لأنَّها متعقِّبةٌ لصلاة جبريل، أي: كانت بعد فراغها [6]، وبـ «ثمَّ» في صلاة جبريل لأنَّها متراخيةٌ عن سابقتها، لكن ثبت من خارجٍ في غيره: «أنَّ جبريل أَمَّه عليه السلام» [7] فعند المصنِّف في رواية اللَّيث: «نزل جبريل عليه الصلاة والسلام، فأمَّني فصلَّيت»، فيُؤوَّل قوله: «صلَّى فصلَّى» على [8] أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان كلَّما فعل جبريل جزءًا من الصَّلاة تابعه عليه لأنَّ ذلك حقيقة الائتمام، وقِيلَ: «الفاء» بمعنى: «الواو» المقتضية لمُطلَق الجمع، وعُورِض بأنَّه يلزم أن يكون عليه الصلاة والسلام كان يتقدَّم في بعض الأركان على جبريل عليه الصلاة والسلام، كما يقتضيه مُطلَق الجمع، وأُجيب بأنَّ ذلك يمنع منه مراعاة التَّبيين، فكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يتراخى عنه لذلك [9] (ثُمَّ قَالَ) جبريل صلوات الله عليه وسلامه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (بِهَذَا) أي: بأداء الصَّلوات [10] في هذه الأوقات (أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة والتَّاء، أي: أن أصلِّيَ بك، أو أبلِّغه لك، ولأبي ذَرٍّ: بفتح التَّاء، وهو المشهور، أي: الَّذي أمرت به من الصَّلوات ليلة الإسراء مُجمَلًا هذا تفسيره اليوم مُفصَّلًا، لا يُقال: ليس في الحديث [11] بيانٌ لأوقات هذه الصَّلوات لأنَّه إحالةٌ على ما يعرف المُخاطَب (فَقَالَ عُمَرُ) بن عبد العزيز رضي الله عنه (لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير: (اِعْلَمْ) بصيغة الأمر (مَا) أي: الَّذي (تُحَدِّثُ به) وسقط لفظ «به» لغير أبي ذَرٍّ (أَوَ) علمت (إنَّ جِبْرِيلَ) عليه الصلاة والسلام؛ بفتح همزة الاستفهام والواو العاطفة، وبكسر همزة «إنَّ» على الأشهر [12]، وبفتحها على تقدير: أو علمت بأنَّ جبريل صلوات الله عليه وسلامه (هُوَ أَقَامَ) وللأَصيليِّ: ((هو الَّذي أقام)) (لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وللأَصيليِّ: ((عليهما وسلَّم)) (وَقْتَ) وللمُستملي: ((وُقوت)) [13] ولابن عساكر: ((مواقيت)) (الصَّلَاةِ) يا عروة؟ وظاهره [14] الإنكار عليه وأنَّه لم يكن عنده علمٌ أنَّ جبريل هو المبيِّن [15] له ذلك بالفعل فلذلك استثبت فيه.
522- (قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ) ولأبي ذَرٍّ: ((وكذلك)) (كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ) بفتح المُوحَّدة بوزن «فَعيلٍ» التَّابعيُّ الجليل المشهور [16]، الأنصاريُّ المدنيُّ رضي الله عنه، له رؤيةٌ [17]، قال العجليُّ: تابعيٌّ ثقةٌ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) أبي مسعودٍ عقبة بن عمرٍو، وهذا يُسمَّى: مُرسَل صحابيِّ لأنَّه لم يدرك القصَّة، فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو بلَّغه عنه بتبليغ من شاهده، أو سمعه من صحابيٍّ آخر، وفي رواية اللَّيث بن سعدٍ [18] عند المؤلِّف: «فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعودٍ يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [19] يقول [20]...» فذكره، وهي تزيل الإشكال كلَّه، قاله [21] ابن شهابٍ.
(قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا) في بيتها (قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) أي: تعلو، والمُراد: والفيء في حجرتها قبل أن يعلو على البيوت، فكنَّت بـ «الشَّمس» عن الفيء، لكن قال ابن السَّيِّد: والفقهاء يقولون: معناه قبل أن يظهر الظِّلُّ على الجدار، والأوَّل أليق بالحديث لأنَّ ضمير «تظهر» عائدٌ إلى «الشَّمس»، ولم يتقدَّم للظِّلِّ في الحديث ذكرٌ. انتهى. قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وكلُّ هذا حجَّةٌ على عمر، وأنَّ الحكم التَّعجيل لأنَّ هذا مع ضيق الحجرة وقصر البناء إنَّما يتأتَّى في وقت العصر. انتهى. وليس في الحديث بيان الأوقات المذكورة، ويأتي
ج1ص478
_إن شاء الله تعالى_ ذلك مُستوفًى.
واستنبط ابن العربيِّ من هذا الحديث: جواز صلاة المفترض خلف المتنفِّل من جهة أنَّ المَلَك ليس مُكلَّفًا بمثل ما كُلِّف به البشر، وأُجيب باحتمال أن تكون تلك الصَّلاة غير [22] واجبةٍ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حينئذٍ، وعُورِض بأنَّها كانت صبيحة ليلة فرضها، وأُجيب باحتمال كون الوجوب مُعلَّقًا ببيان جبريل صلوات الله عليه وسلامه، فلم يتحقَّق الوجوب إِلَّا بعد تلك الصَّلاة، وبأنَّ جبريل عليه الصلاة والسلام كان مُكلَّفًا بتبليغ تلك الصَّلاة [23]، فلم يكن متنفِّلًا [24]، وحينئذٍ فهي صلاة مفترضٍ خلف مفترضٍ.
ورواته التِّسعة مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «بدء الخلق» [خ¦3221] وفي «المغازي» [خ¦4007]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج1ص479


[1] «هو»: مثبتٌ من (د) و(م).
[2] في (د) و(م): «إلى الموصل».
[3] في هامش (ص): (قوله: «بصيغة مخاطبة الغائب» فيه تجوُّزٌ، والمُراد: أنَّ الفعل المُسنَد إلى الغائب لا يلحقه تاء الخطاب). انتهى عجمي.
[4] «قد علمت و»: سقط من (ص).
[5] في (م): «الصَّلوات».
[6] في (م): «لأنَّها كانت مُتعقِّبةً عنها».
[7] «أنَّ جبريل أَمَّه عليه السلام»: سقط من (م).
[8] «على»: سقط من (م).
[9] في هامش (ص): (قوله: «فكان يتراخى لذلك» أي: لمراعاة التَّبيين، قال الشَّيخ الحلبيُّ في «سيرته»: قد يشكل هذا على أئمَّتنا القائلين بأنَّه لا بدَّ من علم كيفيَّة الصَّلاة قبل الدُّخول فيها، ولا يكفي علمهما بالمُشاهَدة، وقد يُجاب بأنَّه يجوز أن يكون جبريل عليه السلام علَّمه كيفيَّتها بالقول، ثمَّ أتبع ذلك القول بالفعل، وهو صلى الله عليه وسلم علَّم أصحابه كذلك). انتهى عجمي.
[10] في (ص): «الصَّلاة».
[11] «في الحديث»: سقط من (ص) و(م).
[12] في (ص): «المشهور».
[13] في (م) بدلًا منه: «وللأَصيليِّ: وقته».
[14] في غير (د) و(م): «ظاهر».
[15] في (د): «علم هذا المبيِّن».
[16] «المشهور»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[17] في (د): «رواية».
[18] «ابن سعدٍ»: ليس في (م).
[19] قوله: «يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم» سقط من (م).
[20] «يقول»: ليس في (د).
[21] في (د) و(س): «قال»، وليس بصحيحٍ.
[22] «غير»: سقط من (م).
[23] في (م): «الصَّلوات».
[24] في (د) و(س): «متنقِّلًا»، وهو تصحيفٌ.