إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين

557- وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) وللأَصيليِّ: ((ابن عبد الله الأويسيُّ)) بضمِّ الهمزة نسبةً إلى أويسٍ [1] أحد أجداده (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (إِبْرَاهِيمُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((ابن سعْدٍ)) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ المدنيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما (أنَّه أَخْبَرَهُ: إنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَقُولُ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا) أي: إنَّما بقاؤكم بالنِّسبة إلى ما (سَلَفَ [2] قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء وقت
ج1ص497
(صَلَاةِ الْعَصْرِ) المنتهية (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: أُعطِي (أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا) زاد أبو ذَرٍّ: ((بها)) أي: بالتَّوراة (حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا) عن استيفاء عمل النَّهار كلِّه، من غير أن يكون لهم صنيعٌ [3] في ذلك، بل ماتوا قبل النَّسخ، وللأَصيليِّ: ((ثمَّ عجزوا)) (فَأُعْطُوا) أي: أُعطِي [4] كلٌّ منهم [5] أجره (قِيرَاطًا قِيرَاطًا) فالأوَّل مفعول «أعطى» الثَّاني، و«قيراطًا» الثَّاني تأكيدٌ، أوِ المعنى: أُعطُوا أجرهم حال كونه قيراطًا قيراطًا، فهو حالٌ، و [6] المعنى: أُعطُوا الأجر متساوييِّن، وانتصاب الثَّاني على التَّأكيد عند الزَّجَّاج وغيره [7]، وتعقَّبه ابن هشامٍ بأنَّه غير صالحٍ للسُّقوط فلا تأكيد، وقال [8] أبو حيَّان: الأَوْلى [9] انتصابه بالعامل في الأوَّل لأنَّ المجموع هو [10] الحال، وعند أبي الفتح: انتصاب الثَّاني بالوصف، وتُعقِّب بأنَّ معناه ولفظه كالموصوف، فإنَّه جامدٌ، و«القيراط»: نصف دانقٍ، والمراد به [11] النَّصيب (ثمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا) من نصف النَّهار (إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثمَّ عَجَزُوا) عن العمل، أي: انقطعوا (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ) أي [12]: اليهود والنَّصارى، ولابن عساكر: ((أهل الكتاب)) بالإفراد على إرادة الجنس: (أَيْ) من حروف النِّداء، أي: يا (رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى الظُّهر أكثر من وقت العصر إلى الغروب، لكنَّ قول النَّصارى لا يصحُّ إلَّا على مذهب أبي حنيفة: لأنَّ [13] وقت العصر بصيرورة الظِّلِّ مثليه، أمَّا على [14] مذهب صاحبيه والشَّافعيِّ بمصير الظِّلِّ مثله فمشكلٌ [15]، ويمكن أن يُجابَ: بأنَّ مجموع عمل الطَّائفتين أكثر وإن لم يكن عمل أحدهما أكثر، أو إنَّه لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أن يكون زمان عملهم أكثر لاحتمال كون العمل أكثر في الزَّمان الأقلِّ (قَالَ [16]: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: نقصتكم (مِنْ أَجْرِكُمْ) أي: الَّذي شرطته لكم (مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا) لم تنقصنا من أجرنا شيئًا (قَالَ: فَهْوَ) أي: كلُّ ما أعطيته [17] من الثَّواب (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) فإن قلت: ما وجهُ مطابَقة الحديث للتَّرجمة؟ أُجيب: من قوله: «إلى غروب الشَّمس» فإنَّه يدلُّ على أنَّ وقت العصر إلى غروب الشَّمس، وأنَّ من أدرك ركعةً من العصر قبل الغروب فقد أدرك العصر في وقتها فليتمَّ، ولا يخفى ما فيه من التَّعسُّف.
ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون [18]، وفيه: التَّحديث والعنعنة والإخبار والقول والسَّماع، وتابعيٌّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإجارة إلى نصف النهار» [خ¦2268] وفي «باب فضل القرآن» [خ¦5021] وفي «التَّوحيد» [خ¦7467] وفي «باب ذكر بني إسرائيل» [خ¦3459]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ.
ج1ص498


[1] «أويس»: سقط من(م).
[2] في هامش (ص): (قوله: «بالنِّسبة إلى ما سلف» إشارةٌ إلى أنَّ «في» بمعنى «إلى» كقوله: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} [إبراهيم: 9] أي: إلى أفواههم؛ كما في «المغني»). انتهى.
[3] في غير (د): «صنعٌ».
[4] «أُعطِي»: سقط من (ص).
[5] في (د): «واحدٍ».
[6] في (ب) و(س): «أو»، وفي (د): «أي».
[7] «وغيره»: ليس في (د) و(س).
[8] «قال»: سقط من (د).
[9] في (م): «بأنَّ الأوَّل».
[10] في (م): «في».
[11] «به»: سقط من (د).
[12] «أي»: ليس في (ص) و(م).
[13] في غير (د): «أنَّ».
[14] «على»: سقط من (د).
[15] في هامش (ص): (قوله: «فمشكلٌ» هذا يشعر بأنَّ الوقت الَّذي بين الصَّلاتين لا يكون أكثر من الزَّمن الَّذي بين مصير ظلِّ الشَّيء مثله إلى الغروب، وذلك خلاف الواقع في غالب المعمور لأنَّه أزيد من حصَّة العصر المعروفة عند الفلكيِّين بحصَّة الغروب، لكنَّ منتهى الزِّيادة نحو تسع درجٍ، وأقلُّها نحو ثلاثٍ، ولمَّا كانت هذه الزِّيادة قليلةً جدًّا لا يظهر فيها عملٌ كثيرٌ غالبًا؛ توجَّه الإشكال في الجملة). شيخنا العجميُّ.
[16] «قال»: سقط من (ب) و(س).
[17] في (ص): «أعطيه».
[18] قوله: «فليتمَّ، ولا يخفى... الحديث الخمسة مدنيُّون» سقط من (د).