إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أسلموا تسلموا واعلموا أن الأرض لله ورسوله

          3167- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسان المدنيِّ(1) مولى بني ليثٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ☺ ) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ فِي المَسْجِدِ) وجواب «بينما» قوله: (خَرَجَ النَّبِيُّ صلعم فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ(2)، فَخَرَجْنَا) معه (حَتَّى جِئْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ”حتَّى إذا جئنا“ (بَيْتَ المِدْرَاسِ) بكسر الميم وسكون الدَّال المُهمَلة وفتح الرَّاء آخره سينٌ مُهمَلةٌ، أي: بيت العالِم الَّذي يدرس(3) كتابهم(4)، أو البيت الَّذي يدرسون(5) فيه كتابهم (فَقَالَ) ╕ لهم(6): (أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا) مجزومٌ بحذف النُّون بالأمر في الأوَّل وجوابه في الآخر، أي: إن أسلمتم تصيروا سالمين، وهذا آية في البلاغة اللَّفظيَّة والمعنويَّة، وهو من جوامع كَلِمه ╕ (وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ للهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ) بضمِّ الهمزة وسكون الجيم، أخرجكم (مِنْ هَذَا الأَرْضِ) ولأبي ذرٍّ: ”من هذه الأرض“ كأنَّهم قالوا في جواب قوله: «أسلموا تسلموا»: لِمَ قلتَ‼ هذا وكرَّرته؟ فقال: اعلموا أنِّي أريد أن أجليكم، فإن أسلمتم سَلِمتم من ذلك، وممَّا هو أشقُّ منه (فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ) بكسر الجيم (بِمَالِهِ) أي: بدل ماله، فالباء للبدليَّة (شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ) جواب «من» أي: من كان له شيءٌ ممَّا لا يمكن نقله فليبعه (وَإِلَّا) أي: وإن لم تسمعوا ما قلتُ لكم من ذلك (فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ للهِ وَرَسُولِهِ) ولابن عساكر: ”ولرسوله“ أي: تعلَّقت مشيئة الله تعالى بأن يورث أرضكم هذه للمسلمين ففارقوها، والظَّاهر _كما قاله في «فتح الباري»_: أنَّ اليهود المذكورين بقايا تأخَّروا(7) بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنَّضير والفراغ من أمرهم؛ لأنَّه كان قبل إسلام أبي هريرة، لأنَّه إنَّما جاء بعد فتح خيبر، وقد أقرَّ ╕ يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض، واستمرُّوا(8) إلى أن أجلاهم عمر، ولا يصحُّ أن يُقال: إنَّهم بنو النَّضير لتقدُّم ذلك على مجيء أبي هريرة، وأبو هريرة يقول في هذا الحديث: إنَّه كان معه ╕ .
          ومطابقة الحديث لِمَا تُرجم به من حيث إنَّه ╕ همَّ بإخراج يهود(9)، لأنَّه كان يكره أن يكون بأرض العرب غير المسلمين إلى أن حضره(10) الوفاة، فأوصى بإجلائهم من جزيرة العرب، فأجلاهم عمر ☺ .
          وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الإكراه» [خ¦6944] و«الاعتصام» [خ¦7348] و«المغازي» [خ¦3167]، وأبو داود في «الخراج»، والنَّسائيُّ في «السِّيَر».


[1] في (م): «المدينيِّ» وكلاهما وقفتُ عليه في كتب التَّراجم.
[2] في (م): «اليهود».
[3] زيد في (د): «فيه».
[4] في (م): «كتبهم».
[5] في (ل): «يدرسوا».
[6] «لهم»: ليس في (ص) و(م).
[7] في (م): «بقاياتٌ أُخِّروا».
[8] في (ص) و(م): «ويستمرُّوا».
[9] في (د1) و(م): «اليهود».
[10] في (ب) و(د1) و(س): «حضرته».