إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[كتاب الجزية والموادعة]

وسقطت البسملة لأبي ذرٍّ.
(1) (باب الْجِزْيَةِ) بكسر الجيم وهي: مالٌ مأخوذٌ من أهل الذِّمَّة، لإسكاننا إيَّاهم في دارنا، أو لحقن دمائهم وذراريِّهم وأموالهم، أو لكفِّنا عن قتالهم (وَالْمُوَادَعَةِ) والمراد بها: مُتارَكة أهل الحرب مدَّةً مُعيَّنَةً لمصلحةٍ (مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِ) لفٌّ ونشرٌ مُرتَّبٌ؛ لأنَّ الجزية مع أهل الذِّمَّة والمُوادَعة مع أهل الحرب (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ}) كإيمان الموحِّدين ({وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ}) يعني: الخمر والميسر ({وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ}) لا يتديَّنون بدين الإسلام ({مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ}) أي [1]: إن لم يسلموا ({عَنْ يَدٍ}) أي: عن قهرٍ وغلبةٍ ({وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التَّوبة: 29] ) قال البخاريُّ مفسِّرًا لقوله: {صَاغِرُونَ}: (أَذِلاَّءُ) ولأبي ذرٍّ: ((يعني: أذلَّاء)) وزاد أبو ذرٍّ وابن عساكر: ((والمَسْكَنَة مصدر المسكين)) يُقال: فلانٌ ((أسكنُ من فلانٍ أي: أحوجُ منه))، فهو من المَسْكَنة، ((ولم يذهب _أي: البخاريُ_ إلى السُّكون))، ووجه ذكره المسكنة [2] هنا: أنَّه فسَّر الصَّغَار بالذِّلَّة، وجاء في وصف أهل الكتاب: ضُرِبت عليهم الذِّلَّة والمسكنة، فناسب ذكرها عند ذكر الذِّلَّة [3]، وساق في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: ((إلى قوله: {وَلَا يُحَرِّمُونَ})) ثمَّ قال: ((إلى قوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ})) (وَمَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) أهل الكتاب (وَالْمَجُوسِ) الَّذين لهم شبهةُ كتابٍ (وَالْعَجَمِ) وهذا [4] قول أبي حنيفة: تُؤخَذ الجزية من جميع الأعاجم، سواءٌ كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين. وعند الشَّافعيِّ وأحمد: لا تُؤخَذ إلَّا ممَّن له كتابٌ أو شبهةُ كتابٍ، فلا تُؤخَذ من عبدة الأوثان والشَّمس والقمر ومن في معناهم، ولا من المُرتَدِّ؛ لأنَّ الله تعالى أمر بقتل جميع المشركين إلَّا [5] أن يسلموا بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [6] [التَّوبة: 5] الآية السَّابقة، وتُؤخَذ أيضًا ممَّن زعم [7] أنَّه متمسِّكٌ [8] بصحف إبراهيم وزبور داود، ومَنْ [9] أحدُ أبويه كتابيٌّ والآخر وثنيٌّ، وعن مالكٍ: تُقبَل من جميع الكفَّار إلَّا من ارتدَّ (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مُهمَلةٌ، عبدِ الله (قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّأْمِ) أي: من [10] أهل الكتاب (عَلَيْهِمْ) أي [11]: في الجزية (أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ) من أهل الكتاب (عَلَيْهِمْ) فيها (دِينَارٌ) واحدٌ؟ (قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: من جهة اليسار.
وفيه: جواز التَّفاوت في الجزية، وأقلُّها عند الشَّافعيَّة والجمهور: دينارٌ في كلِّ حولٍ، ومن متوسِّط الحال ديناران، ومن الموسر أربعةٌ استحبابًا.
ج5ص229


[1] «أي»: مثبتٌ من (م).
[2] في (د): «المسألة».
[3] «والمسكنة، فناسب ذكرها عند ذكر الذِّلَّة»: سقط من (د).
[4] في (د): «وهو».
[5] في غير (د): «إلى» ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[6] قوله: « إلَّا أن يسلموا بقوله: {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ}» سقط من (م).
[7] في (م): «يزعم».
[8] في (د1) و(ص) و(م): «يتمسَّك».
[9] في (د): «وممَّن».
[10] «من»: ليس في (ص).
[11] «أي»: ليس في (د1) و(ص) و(م).