إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أما إنك لو أعطيتيها أخوالك كان أعظم لأجرك

2592- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزوميُّ (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعد الإمام (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي حبيبٍ (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، ابن عبد الله ابن [1] الأشجِّ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ) أمَّ المؤمنين الهلاليَّة [2] (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً) أي: أَمَةً، وللنَّسائيِّ «أنَّها كانت لها جارية سوداء» قال الحافظ ابن حَجَر: ولم أقفْ على اسمها (وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قَالَتْ: أَشَعَرْتَ) أي: أعلمتَ (يَا رَسُولَ اللهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَوَفَعَلْتِ؟) بفتح الواو، والهمزة للاستفهام، أي: أَوَفَعَلْتِ العتق (قَالَتْ [3]: نَعَمْ) فعلته [4] (قَالَ: أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إِنَّكِ) بكسر الهمزة في الفرع وأصله على أنَّ «أَمَا» [5] استفتاحيَّةٌ بمعنى «أَلَا»، وفي بعض الأصول: ((أنَّك)) بفتح الهمزة، على أنَّ «أَمَا» بمعنى حقًّا (لَوْ أَعْطَيْتِيهَا) أي: الوليدة (أَخْوَالَكِ) من بني هلال، قال العَيْنيُّ: ووقع في رواية الأَصيليِّ: ((أخواتِك)) بالتَّاء بدل اللَّام، قال عِيَاض: ولعله أصحُّ من رواية «أخوالَك»؛ بدليل رواية مالك في «الموطَّأ»: «فلو أعطيتِها أختَيك» ولا تعارضَ، فيحتمل [6] أنَّه عليه الصلاة والسلام قال ذلك كلَّه (كَانَ) إعطاؤك لهم (أَعْظَمَ لأَجْرِكِ) من عِتْقِها، ومفهومُه: أنَّ الهبة لِذَوِي الرَّحم أفضل من العتق، كما قاله ابن بطَّال، وليس ذلك على إطلاقه، بل يختلف باختلاف الأحوال، وقد وقع في رواية النَّسائيِّ بيان وجه الأفضليَّة في إعطاء الأخوال، وهو احتياجهم إلى من يخدمهم، ولفظه: «أفلا فديت بها بنت أختك من رعاية الغنم» على أنَّه ليس في حديث الباب نصٌ على أنَّ صلة الرَّحم أفضل من العتق، لأنَّها [7] واقعة عين.
فإنْ قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؟
ج4ص347
أُجِيبَ: بأنَّها أَعْتَقَتْ قبل أن تستأمر النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكانت رشيدةً فلم يَسْتَدْرِك ذلك عليها، بل أرشدها إلى ما هو الأولى، فلو كان لا ينفُذُ لها تصرُّفٌ في مالها، لأبطله، قاله في «الفتح».
وفي هذا الحديث: ثلاثة من التَّابعين على نَسَقٍ واحد، ونصف رجاله الأُوَل مصريُّون والأُخَر مدنيُّون، وأخرجه مسلم في «الزَّكاة» والنَّسائيُّ في «العتق».
(وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، و«مُضَر»: بضم الميم وفتح الضَّاد المعجمة، ابن محمَّد بن حكيم المصريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «الأدب المفرد» و«برِّ الوالدين» له (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين ابن الحارث (عَنْ بُكَيْرٍ) المذكور (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاس: (أنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((أعتقته)) بضمير النَّصب الرَّاجع لكُرَيب. قال في «الفتح»: وهو غلط فاحش، وفي هذا التَّعليق موافقة عَمْرو بن الحارث ليزيد بن أبي حَبيب على قوله: «عن كُرَيب» قال: وقد خالفهما محمَّد بن إسحاق، فرواه عن بُكَيْر [8]، فقال: عن سليمان بن يسار بدل كُرَيب [9]، أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ من طريقه قال الدَّارقطنيُّ: ورواية يزيد وعَمْرو أصحُّ، ورواية بكر [10] بن مُضَر له عن عَمْرو عن [11] بُكَير عن كُرَيب: أنَّ ميمونةَ صوْرتها صورةُ الإرسال، لكونه ذكر قصَّةً ما أدركها، لكن قد رواه ابن وهب عن عَمْرو بن الحارث، فقال فيه: «عن كُرَيب عن ميمونة»، أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ من طريقه.
ج4ص348


[1] لفظة «ابن» زيادة من كتب الرجال.
[2] «الهلاليَّة»: سقط من (ص).
[3] في (ب): «قلت».
[4] «فعلته»: سقط من (ص).
[5] في غير (د): «ما» وهو تحريفٌ.
[6] في (د1) و(ص): «فيُحمل على».
[7] في (د1) و(ص): «لأنَّه».
[8] في (د): «كُرَيب» وهو تحريفٌ.
[9] في غير (ب) و(س): «بُكَيْر» وهو خطأٌ.
[10] في غير (ب) و(س): «بكير» وهو تحريفٌ.
[11] في (د1) و(ص): «بن» وهو تحريفٌ.