إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن جابر بن عبد الله أخبره أن أباه قتل يوم أحد شهيدًا

2601- (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان [1] بن جَبَلَة _بفتح الجيم والموحَّدة_ العَتَكِيُّ _بفتح المهملة والمثنَّاة الفوقيَّة_ المروزِيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أنه قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) قال الكَرْمانيُّ: ابن [2] كعب [3] يحتمل أن يكون عبد الرَّحمن أو عبد الله؛ لأنَّ الزُّهريَّ يروي عنهما جميعًا، لكنَّ الظَّاهر أنَّه عبد الله، لأنَّه يروي عن جابر (أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ) عبد الله (قُتِلَ يَوْمَ) وقعة (أُحُدٍ شَهِيدًا) وكان عليه دَيْن ثلاثين وَسْقًا لرجلٍ من اليهود (فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ) عليَّ (فِي) طلب (حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمْتُهُ) أي: ليشفع لي، زاد في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3580] من وجهٍ آخر: «فقلت: إنَّ أبي ترك عليه دَينًا وليس عندي [4] إلَّا ما يُخرج نخله، ولا يبلغ ما يُخرج سنين ما عليه» (فَسَأَلَهُمْ) النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم (أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي) بفتح المثلَّثة والميم، أي: في دَيْنهم (وَيُحَلِّلُوا أَبِي) أي: يجعلوه في حِلٍّ بإبرائهم ذمته (فَأَبَوْا) أي: امتنعوا (فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ثمرَ [5] نخل (حَائِطِي، وَلَمْ يَكْسِرْهُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه، أي: لم يكسر الثَّمر من النَّخل (لَهُمْ) أي: لم يعيِّن، ولم يقسِم عليهم، قاله الكَرْمانيُّ (وَلَكِنْ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (سَأَغْدُو عَلَيْكَ) زاد أبو ذرٍّ: ((إن شاء الله تعالى))، قال جابر: (فَغَدَا عَلَيْنَا) صلَّى الله عليه وسلَّم (حِيْنَ أَصْبَحَ) ولغير أبي ذرٍّ: ((حتَّى أصبحَ))، والأوَّل أَوْجَه، وضبَّب على الأخير [6] في الفرع (فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا) بالواو، ولأَبَوي ذَرٍّ والوقت: ((فدعا)) (فِي ثَمَرِهِ [7] بِالْبَرَكَةِ) وعند أحمد عن جابر من وجه آخر: «فجاء هو وأبو بكر وعمر، فاستقرأ النَّخل، يقوم عند [8] كلِّ نخلةٍ، لا أدري ما يقول، حتَّى مرَّ على آخرها» (فَجَدَدْتُهَا) بالجيم والدَّالَيْن المهملتَين، أي: قطعتها (فَقَضَيْتُهُمْ حقَّهُمْ) الَّذي لهم، وفي «اليونينيَّة» وفرعها: ((حقوقَهم)) (وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا) بالمثلَّثة المفتوحة، ولأبي الوقت: ((من تمرها [9] ) ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم، أي: تمر النَّخل (بَقِيَّةٌ) وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦3580] «وبقي مثل ما أعطاهم» (ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ جَالِسٌ) جملة حاليَّة (فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ) الَّذي وقع من قضاء الحقوق، وبقاء الزِّيادة، وظهور بركة دعائه صلَّى الله عليه وسلَّم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ) بنِ الخطَّاب: (اسْمَعْ) ما يقول جابر (_وَهْوَ) أي: عمر (جَالِسٌ_ يَا عُمَرُ؛ فَقَالَ) عمر: (أَلَّا يَكُونُ) [10] بالرَّفع، وفي بعض الأصول: بالنَّصب (قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَاللهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) بفتح الهمزة وتشديد اللَّام من «ألا»، وأصلها: «أن» المخفَّفة، ضُمَّت إليها «لا» النَّافية، أي: هذا إنَّما يحتاج إليه مَنْ لا يعلم أنك رسول الله، فكذبك في الخبر، فيحتاج إلى الاستدلال، وأمَّا من علم أنَّك رسول الله فلا يحتاج إلى ذلك، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: ((أَلَا)) بتخفيف اللَّام كما في فروعٍ عدَّة لـ «اليونينية» وأصول معتمدة، ووُجِّه: بأنَّ الهمزة للاستفهام التَّقريريِّ، وإذا تقرَّر هذا، فليُنْظَر في قول الحافظ ابن حَجَر في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3580] «ألَّا يكونُ» بفتح الهمزة وتشديد اللَّام في الرِّوايات كلِّها. وزعم بعض المتأخِّرين أنَّ الرِّواية فيه بتخفيف اللَّام، وأنَّ الهمزة للاستفهام التَّقريريِّ، فأنكر عُمر عدم علمه بالرِّسالة، فأنتج إنكاره ثبوتَ علمه بها. قال الحافظ ابن حَجَر [11]: وهو كلامٌ مُوجَّه إلَّا أنَّ الرِّواية إنَّما هي بالتَّشديد، وكذا ضبطها عياضٌ وغيره. انتهى. وقال الكَرْمانيُّ: ومقصوده صلَّى الله عليه وسلَّم تأكيدُ علم عمر رضي الله عنه وتقويته، وضمُّ حجَّةٍ أخرى إلى الحُجج السَّالفة. وقال في «الفتح»: النُّكتة في اختصاصه بإعلامه بذلك أنَّه كان معتنيًا بقضيَّة جابر مهتمًّا بشأنه مساعدًا له على وفاء دَيْن أبيه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخَذ _كما قاله في «عمدة القاري»_ من معنى الحديث، ولكنَّه
ج4ص353
بالتَّكلُّف وهو أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم سأل غرماء أبي جابر أن يقبضوا ثمر حائطه، ويحلِّلوه من بقيَّة دَينه، ولو قبلوا ذلك كان إبراءً لذمَّة أبي جابر من بقيَّة الدَّين، وهو في الحقيقة لو وقع، كان هبة للدَّين ممَّن هو عليه، وهو معنى التَّرجمة، وقد اختُلِف فيما إذا وهب دينًا له على رجل لآخرَ، فقال المالكيَّة: يصح إذا أشهد [12] له بذلك، وجمع بينه وبين غريمه. وقال الشَّافعيُّ بالبطلان لاشتراطهم القبض.
ج4ص354


[1] هو: «عبد الله بن عثمان بن جبلة».
[2] في (د1) و(ص): «أنَّ» وهو تحريفٌ.
[3] «ابن كعب»: ليس في (د).
[4] في (د): «عنده».
[5] في (د): «تمر».
[6] في (د1) و(ص): «عليه في الأخير».
[7] في (د): «تمرة».
[8] في غير (د): «تحت». كذا في الفتح.
[9] في (د): «ولأبي ذرٍّ: ثمرها».
[10] زيد في نسخةٍ في هامش(د): («أَلَّا»: بفتح الهمزة وتشديد اللّام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمَهينيِّ: «ألَا» بالتَّخفيف «يكونُ»)، وسيأتي بنحوه.
[11] «ابن حجر»: سقط من(د)، وهو ثابت له.
[12] في (د1) و(ص): «شهد».