إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها

2528- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: ((وحدَّثني)) (الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير بن عيسى قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين، ابن كِدَام؛ بكسر الكاف ودالٍ مُهمَلةٍ مُخفَّفةٍ [1] (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ زُرَارَةَ ابْنِ [2] أَوْفَى) هو من ثقات التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: إِنَّ اللهَ) عَزَّ وَجَلَّ (تَجَاوَزَ لِي) أي: لأجلي (عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا) جملةٌ في محلِّ نصبٍ [3] على المفعوليَّة، و«ما» موصولٌ، و«وسوست» صلته، و«به» عائدٌ، و«صدورُها» بالرَّفع فاعل «وسوست»، ولأبي ذرٍّ: ((صدورَها)) بالنَّصب على أنَّ «وسوست» بمعنى: حدَّثت، ونسب هذه في «الفتح» وغيره لرواية الأَصيليِّ، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ في «الطَّلاق» [خ¦5269] بلفظ: «ما حدَّثت به أَنْفُسَها»، والمعنى: ما حدَّثت به نفسه؛ وهو ما يخطر بالبال [4]، والوسوسة: الصَّوتُ الخفيُّ، ومنه: وسواس الحليِّ لأصواتها، وقيل: ما يظهر في القلب من الخواطر؛ إن كانت تدعو إلى الرَّذائل والمعاصي تُسمَّ وسوسةً، فإن كانت تدعو إلى الخصال المرضيَّة والطَّاعات؛ تُسمَّ إلهامًا، ولا تكون الوسوسة [5] إلَّا مع التَّردُّد والتَّزلزل من غير أن يطمئنَّ إليه أو يستقرَّ عنده (مَا لَمْ تَعْمَلْ) في العمليَّات بالجوارح (أَوْ تَكَلَّمْ) في القوليَّات باللِّسان على وفق ذلك، وأصل «تَكَلَّمْ» [6]: تتكلَّم بمُثنَّاتين، حُذِفت [7] إحداهما تخفيفًا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من [8] قوله: «ما وسوست» لأنَّ الوسوسة لا اعتبار لها عند عدم التَّوطُّن، فكذلك المخطئ والنَّاسي لا توطُّن لهما، وأمَّا قول ابن العربيِّ: _إنَّ المرادَ بقوله: «ما لم تكلَّمْ» الكلامُ النَّفسيُّ إذ هو الكلام الأصليُّ، وإنَّ القول الحقيقيَّ هو الموجود بالقلب [9] الموافق للعلم_
ج4ص308
فمراده به: الانتصار لما رُوِي عن الإمام الأعظم مالكٍ: أنَّه يقع الطَّلاق والعتاق بالنِّيَّة وإن لم يتلفَّظ، قال في «المصابيح»: وقد أشكل هذا على كثير من أصحابه؛ لأنَّ النِّيَّة عبارةٌ عن القصد في الحال، أو العزم في الاستقبال، فكما لا يكون قاصدُ الصَّلاة مصلِّيًا حتَّى يفعل المقصود، وكذا قاصد الزَّكاة والنِّكاح وغيرها [10]؛ كذلك ينبغي أن يكون [11] قاصد الطَّلاق، ثمَّ قول القائل: يقع الطَّلاق بالقصد متدافعٌ، وحاصله: يقع ما لم يوقعه المُكلَّف؛ إذ القصد ضرورةٌ يفتقر إلى مقصود النِّيَّة، فكيف يكون القصدُ نفسَ المقصود؟ هذا قلبٌ للحقائق، فمن هنا اشتدَّ الإنكار حتَّى حُمِل [12] على التَّأويل، والذي يرفع الإشكال أنَّ النِّيَّة التي أُريدت هنا هي الكلام النَّفسيُّ الذي يُعبَّر عنه بقول القائل: أنت طالقٌ، فالمعنى الذي هذا لفظه هو المراد بالنِّيَّة، وإيقاع الطَّلاق على من تكلَّم بالطَّلاق وأنشأه حقيقةً لا ريب فيه؛ وذلك أنَّ الكلام يُطلَق على النَّفسيِّ حقيقةً، وعلى اللَّفظيِّ؛ قيل: حقيقةً، وقيل: مجازًا، ولهذا نقول: قاصد الإيمان مؤمنٌ؛ لأنَّ المتكلِّم بالإيمان [13] كلامًا نفسيًّا مصدِّقًا عن معتقده مؤمنٌ، وكذلك المعتقد الكفر بقلبه المصدِّق له كافرٌ، وأمَّا المتكلِّم في نفسه بإحرام الصَّلاة وبالقراءة؛ فإنَّما لم يُعَدَّ مصلِّيًا ولا قارئًا بمُجرَّد الكلام النَّفسيِّ؛ لتعبُّدِ الشَّرعِ في هذه المواضع الخاصَّة بالنُّطق اللَّفظيِّ، ألا ترى أنَّ المتكلِّم بإحرام الحجِّ في نفسه محرمٌ وإن لم يلبِّ، وكذلك المُخيَّرة إذا تستَّرت [14]، ونقلت قماشها، ونحو ذلك؛ كان ذلك [15] اختيارًا للطلاق وإن لم تتكلَّم بلفظٍ؛ لأنَّها قد تكلَّمت في نفسها ونصبتْ هذه الأفعالَ دلالاتٍ على الكلام النَّفسيِّ، فإنَّ الدَّليل عليه لا يَخُصُّ النُّطقَ، بل تدخل فيه الإشارات والرُّموز والخطوط؛ ولهذا كانت المعاطاة عنده بيعًا؛ لدلالتها على الكلام النَّفسيِّ عرفًا، فاندفع السُّؤال وصار ما كان مشكلًا هو اللَّائح. انتهى. وهذا نقضه الخطَّابيُّ بالظِّهار، فإنَّهم أجمعوا على أنَّه لو عزم على الظِّهار؛ لم يلزم [16] حتَّى يتلفَّظ به، قال: وهو في معنى الطَّلاق، وكذلك لو حدَّث نفسه بالقذف؛ لم يكن قاذفًا، ولو حدَّث نفسه في الصَّلاة؛ لم يكن عليه إعادةٌ، وقد حرَّم الله تعالى الكلام في الصَّلاة، فلو كان حديث النَّفس في معنى الكلام لبطلت الصَّلاة، وقد قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: إنِّي لأجهِّز جيشي وأنا في الصَّلاة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦5269] و«النُّذور» [خ¦6664]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّلاق».
ج4ص309


[1] قوله: «بكسر الكاف ودالٍ مُهمَلةٍ مُخفَّفةٍ»: ليس في (د) و(ص) و(م).
[2] زيد في هامش (ص): (أبي. صح).
[3] في (د): «النَّصب».
[4] في (د): «في البال».
[5] «الوسوسة»: ليس في (د1) و(ص).
[6] «تكلَّم»: ليس في (د1) و(ص) و(م)، وفي (ل): «تتكلَّم»، وفي هامشها: («وأصل تتكلَّم»، كذا بخطِّه، وخرَّج عليها، ولم يكتب بعدها إلَّا «تتكلَّم»، ولعلَّه أراد أن يكتب: «وأصل تكلَّم: تتكلم»). انتهى؛ يُحرَّر.
[7] في (د1) و(ص) و(م): «حذف».
[8] في غير (د) و(س): «في».
[9] في (م): «في القلب».
[10] في (ب) و(س): «وغيرهما».
[11] «أن يكون»: مثبتٌ من (ب) و(س)، وفي هامش (ص): (قوله: «ينبغي قاصد» كذا بخطِّه، وعبارة «المصابيح»: ينبغي أن يكون قاصد الطلاق... إلى آخره، فسقط من خطِّه لفظ «يكون»؛ فليُتأمَّل). انتهى.
[12] في (م): «عمل»، والمثبت موافقٌ لما في «المصابيح» (5/422).
[13] في (د): «لأنَّ المتكلِّم بالكلام »، والمثبت موافقٌ لما في «المصابيح» (5/422).
[14] في (ب): «استترت»، وفي (م): «اشترت»، والمثبت موافقٌ لما في «المصابيح» (5/423).
[15] «ذلك»: ليس في (م).
[16] في (ب) و(د) و(م): «يلزمه».