إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: نعم ما لأحدهم يحسن عبادة ربه وينصح لسيده

2549- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه إلى جدِّه، واسم أبيه إبراهيم السَّعديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: نِعْمَ مَا) بكسر النُّون وسكون العين وتخفيف الميم؛ كذا في الفرع وغيره، وقال في «الفتح»: بفتح النُّون وكسر العين وإدغام الميم في الأخرى، قلت: وبها قرأ ابن عامرٍ وحمزة والكسائيُّ وخلفٌ والأعمش في قوله تعالى: {نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} [النِّساء: 58] في سورة البقرة [1] على الأصل؛ لأنَّ الأصل: نَعِمَ [2]؛ كعَلِم، ويجوز كسر النُّون؛ إتباعًا لكسرة العين مع تشديد الميم، وهي لغة هُذَيلٍ، وكسر النُّون مع إسكان العين، وهي قراءة قالون وأبي [3] عمرٍو وأبي بكرٍ وأبي جعفرٍ واليزيديِّ [4] والحسن، واختاره أبو عبيدٍ، وحكاه لغةً للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله: «نعمَّا المالُ الصَّالح»، وتصحيح الحاكم في «المستدرك» فتحَ النُّون وكسر العين روايةٌ أخرى، فلا يمنع، لكنَّ بعضهم يجعل الإسكان من وَهْم الرُّواة عن أبي عمرٍو، وممَّن أنكره المُبرِّد والزَّجَّاج والفارسيُّ؛ لأنَّ فيه جمعًا بين ساكنين [5] على غير حدِّهما، قال المبرِّد: لا يقدر أحدٌ أن ينطق به، وإنَّما يروم [6] الجمع بين ساكنين، فيحرِّك ولا يشعر، وقال الفارسيُّ: لعلَّ أبا عمرٍو أخفى عينه [7]، فظنَّه الرَّاوي سكونًا، وأُجيب: بأنَّ الأصلَ في جامع شروط الرِّواية الضَّبطُ، واغتُفِر التقاء السَّاكنين وإن كان الأوَّل غير مدٍّ؛ لعروضه كالوقف، وتجويز هذه الأوجه حكاه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» عند قوله: «نعمَّا للمملوك [8]» المضبوط في الرِّواية فيه: بكسر النُّون والعين وتشديد الميم، أمَّا في رواية البخاريِّ؛ فالذي
ج4ص322
رأيته في كثيرٍ من الأصول المعتمدة ورويته: كسر النُّون وسكون العين وتخفيف الميم، ومن حفظ غير ما ذكرته في رواية البخاريِّ؛ فهو حجَّةٌ، وفاعل «نِعْمَ» ضميرٌ مستترٌ فيها مُفسَّرٌ بقوله: «يُحسِن»، أي: نعمَّا مملوكٌ (لأَحَدِهِمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ) ولمسلمٍ من طريق همَّام بن منبِّهٍ عن أبي هريرة: «نِعِمَّا للمملوك أن يُتوفَّى [9] يُحسِن عبادةَ الله وصحابةَ سيِّده، نِعِمَّا له»، وأمَّا قول ابن مالكٍ رحمه الله تعالى: إنَّ «ما» مساويةٌ للضَّمير في الإبهام، فلا تمييز؛ لأنَّ التَّمييز لبيان الجنس المُميَّز عنه، فقال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ رحمه الله تعالى في «المصابيح»: إنَّه مدفوعٌ بأنَّ «ما» ليس مساويًا للضَّمير؛ لأنَّ المرادَ شيءٌ عظيمٌ، قال: وموضع «يُحسِن عبادَة ربِّه…» إلى آخره تفسيرٌ لـ «ما» في المعنى، فلا محلَّ لها من الإعراب [10].
ج4ص323


[1] كذا قال وهي في «النساء».
[2] في (د1) و(م): «فَعِل».
[3] في (م): «أبو»، وهو خطأٌ، وكذا في المواضع اللَّاحقة.
[4] في (ص): «التِّرمذيِّ»، وهو تحريفٌ.
[5] في (ص): «مسألتين»، ولعلَّه تحريفٌ.
[6] «يروم»: ليس في (ص).
[7] «عينه»: ليس في (د1) و(ص) و(م).
[8] في (ب) و(ص): «المملوك»، وفي سائرها: «للملوك»، والمثبت من «صحيح مسلمٍ» (1667).
[9] في (ب) و(ص): «يُوفَّى».
[10] زيد في (م): «والله تعالى أعلم، هنا انتهى باب»، ومن هنا يبدأ سقطٌ في (م)، وينتهي في منتصف الحديث (2612).