إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر

558- وبه قال: (حدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف، محمَّد بن العلاء (قَالَ: حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد ابن أسامة؛ بضمِّ الهمزة فيهما (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة آخره دالٌ مُهمَلةٌ، ابن عبد الله بن أبي بردة الكوفيِّ (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامرٍ (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن [1] قيسٍ الأشعريِّ رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أنَّه قال: (مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ) «المَثَل» في الأصل بمعنى: النَّظير، ثمَّ استُعير [2] لكلِّ حالٍ أو قصَّةٍ أو صفةٍ لها شأنٌ وفيها [3] غرابةٌ لإرادة زيادة التَّوضيح والتَّقرير، فإنَّه أوقع في القلب وأقمع للخصم الألدِّ، يريك المُتخيَّل مُحققًّا [4] والمعقول محسوسًا ولذا أكثر الله تعالى في كتابه الأمثالَ، وفَشَتْ في كلام الأنبياء، والمعنى هنا [5]: مَثَلُ المسلمين مع نبيِّهم (وَ) مثل (الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) مع أنبيائهم (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ) فالمَثَل مضروبٌ للأمَّة مع نبيِّهم، والمُمثَّل به الأجراء مع من استأجرهم (فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) أي: لا حاجة لنا في أجرتك [6] الَّتي شرطت لنا، وما عملناه باطل [7] (فَاسْتَأْجَرَ) قومًا (آخَرِينَ) بفتح الخاء وكسر الرَّاء [8] (فَقَالَ) لهم: (أَكْمِلُوا) بهمزة قطعٍ وبالكاف وكسر الميم من الإكمال، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((اعْمَلوا)) بهمزة وصلٍ وبالعين بدل الكاف وفتح الميم (بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ) لهؤلاء من الأجر (فَعَمِلُوا، حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ) بنصب «حينَ» خبر «كان» أي: كان الزَّمان زمان حين [9] الصَّلاة، أو بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ (قَالُوا: لَكَ
ج1ص498
مَا عَمِلْنَا) باطلٌ، و [10] ذلك الأجر [11] الَّذي شرطت لنا لا حاجة لنا فيه، فقال: أكملوا بقيَّة يومكم، فإنَّه ما بقي [12] من النَّهار إلَّا شيءٌ يسيرٌ، وخذوا أجركم، فأبَوا عليه، وفي «باب الإجارة إلى نصف النَّهار» [خ¦2268]: فغضبت [13] اليهود والنَّصارى، أي: الكفَّار منهم (فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا) آخرين (فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ) الأوَّلين كلَّه [14]، فهذا مَثَل المسلمين الَّذي قبلوا هدى الله وما جاء به الرَّسول عليه الصلاة والسلام، ومَثَل اليهود والنَّصارى الَّذين حرَّفوا وكفروا بالنَّبيِّ الَّذي بعد نبيِّهم بخلاف الفريقين السَّابقين في الحديث السَّابق، حيث أعطوا قيراطًا قيراطًا لأنَّهم ماتوا قبل النَّسخ، ولأنَّهم من أهل الأعذار لقوله: «فعجزوا».
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، ورواية الرَّجل عن جدِّه، ورواية الابن عن أبيه، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإجارة» [خ¦2271].
ج1ص499


[1] «عبد الله بن»: سقط من (د).
[2] في (ب) و(د): «استُعمِل».
[3] في (م): «فيه».
[4] في (ص): «متحقِّقًا».
[5] «هنا»: سقط من (د).
[6] في هامش (ص): (قوله: «لا حاجة لنا في أجرتك» أشار به إلى أنَّ «إلى» بمعنى «في»، قال ابن مالكٍ: ويمكن أن يكون منه: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} [النِّساء: 87]، قال ابن هشامٍ: ولو صحَّ مجيء «إلى» بمعنى «في» لجاز: زيدٌ إلى الكوفة). انتهى.
[7] في هامش (ص): (قوله: «باطلٌ...» إلى آخره: خبرٌ مُقدَّمٌ، و«ذلك» مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، والجملة مستأنفةٌ، وقوله: «لا حاجة لنا فيه» خبرٌ ثانٍ، و«في» بمعنى «الباء»). انتهى عجمي.
[8] «بفتح الخاء وكسر الرَّاء»: سقط من (د).
[9] «حين»: ليس في (د)، وفي حاشية (س): «قوله: «زمان حين» كذا في الأصل، ولعلَّ أحد اللَّفظين مُكرَّرٌ، كما يظهر كتبه مصححه»، وفي هامش (ص): (قوله: «زمان حين الصَّلاة» كذا في النُّسخ، وعبارة الأنصاريِّ والبرماويِّ: أي: كان الزَّمان زمان الصَّلاة، أي: بإسقاط «حين»، وعلى عبارة الشَّارح تكون الإضافة بيانيَّةً). انتهى.
[10] «و»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[11] في (د): «الآخر»، وهو تصحيفٌ.
[12] في (ص): «يبقى».
[13] في (ص): «فغضب».
[14] في (د): «كلَّهم»، وهو تحريفٌ.