إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أما صاحبكم فقد غامر

3661- وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) (هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) أبو الوليد السُّلَميُّ الدمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ) الأمويُّ مولاهم أبو العبَّاس الدمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا زَيْدُ ابْنُ وَاقِدٍ) بكسر القاف الدمشقيُّ الثقةُ، وليس له في «البخاري» إلَّا هذا الحديث (عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ
ج6ص87
الموحَّدة وسكون السين المهملة [1]، و«عُبيد الله» بضمِّ العين مصغَّرًا، الحضرميِّ الشاميِّ (عَنْ عَايذِ اللهِ) بالذال المعجمة (أَبِي إِدْرِيسَ) بن عبد الله الخَولانيِّ؛ بالخاء المعجمة المفتوحة (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر؛ بضمِّ العين مصغَّرًا آخره راء، ابنِ زيدِ بنِ قيسٍ الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ) حالَ كونِه (آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى) بألفٍ بعد الدال مِن غير همزٍ، أي: أظهر (عَنْ رُكْبَتِهِ) بالإفراد، وفيه: أنَّ الركبة ليست عورة (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لمَّا رآه: (أَمَّا) بالتشديد (صَاحِبُكُمْ) يعني: أبا بكر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((صاحبك)) بالإفراد يخاطبُ أبا الدرداء (فَقَدْ غَامَرَ) بغين معجمة مفتوحة أيضًا [2] وبعد الألف ميم مفتوحة فراء، أي: خاصم ولابس الخصومة، وقسيمُ «أمَّا صاحبكم» محذوفٌ [3] تقديرُه نحو قوله: وأمَّا غيره فلا أعلمه (فَسَلَّمَ) رضي الله عنه على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم (وَقَالَ: يَا رَسُولِ اللهِ إِنِّهُ [4] كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ) عمرَ رضي الله عنه (شَيْءٌ) في «التفسير» [خ¦4640] «محاورة» بالحاء المهملة، أي: مراجعة، وعند أبي يَعلى من حديث أبي أُمامة: «معاتبة» (فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ) على ذلك (فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي) ما وقع منِّي (فَأَبَى عَلَيَّ) وعند أبي نُعيم في «الحلية» من طريق محمَّد بن المبارك: فتبعتُه إلى البقيع حتَّى خرج مِن داره (فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ) النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، ثَلَاثًا) أي: أعاد هذه الكلمات [5] «يغفرُ اللهُ لك» ثلاثَ مرَّات (ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ) رضي الله عنه (نَدِمَ) على ذلك (فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ) ليُزيلَ ما وقع بينه وبين الصديق (فَسَأَلَ) أهله: (أَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ؟) بفتح الهمزة والمثلَّثة، أي: أهنا [6] أبو بكر (فَقَالُوا) مجيبين له: (لَا، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ) بالعين المهملة المشدَّدة، أي: تذهبُ نضارتُه من الغضب، ولأبي ذرٍّ: ((يتمغر)) بالغين المعجمة (حَتَّى أَشْفَقَ) أي: خاف (أَبُو بَكْرٍ) أي: ينال عمرَ مِن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما يكرهُه (فَجَثَا) بالجيم والمثلَّثة، أي: برك أبو بكر (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) بالتثنية (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ) منه في ذلك (مَرَّتَيْنِ) قال الكرمانيُّ: ظرفٌ لـ «قال» أو لـ «كنت»، وإنَّما قال ذلك لأنَّه الذي بدأ (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ) بغير تاء في الفرع كأصله، وفي نسخة: ((صدقت)) (وَوَاسَانِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((وأوساني)) [7]، وفي نسخة: ((آساني)) بهمزة بدل الواو، والأوَّلُ أوجه؛ لأنَّه مِنَ المواساة (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي) بإضافةِ «تاركو» إلى «صاحبي»، وفصلَ بين المضاف والمضاف إليه بالجارِّ والمجرور عنايةً بتقديم لفظ الإضافة، وفي ذلك جمعٌ بين إضافتين إلى نفسه تعظيمًا للصديق رضي الله عنه، ونظيرُه قراءةُ [8] ابنِ عامرٍ: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ} [الأنعام: 137] بنصبِ {أَوْلَادَهُمْ} وخفض {شُرَكَائِهِمْ}، وفصل بين المضافين بالمفعول، ومباحث ذلك ذكرتُها في كتاب [9] «القراءات الأربعة عشر»، وفي «التفسير» [خ¦4640]: «هل أنتم تاركون؟» بالنون، قال أبو البقاء: وهي الوجه [10]؛ لأنَّ الكلمة ليست مضافة؛ لأنَّ حرف الجرِّ منع الإضافة، وربَّما يجوزُ حذفُ النون في موضع الإضافة ولا إضافةَ هنا، قال: والأشبه أنَّ حذفَها مِن غلط الرواة. انتهى. ولا ينبغي نسبة الرواة إلى الخطأ مع ما ذكر، وورُود [11] أمثلةٍ لذلك (مَرَّتَيْنِ) أي: قال: «هل أنتم تاركو لي صاحبي» مرَّتين (فَمَا أُوذِيَ) أبو بكرٍ (بَعْدَهَا) أي: بعدَ هذه القِصَّةِ لما أظهرَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن تعظيمه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التفسير» [خ¦4640] وهو مِن أفراده.
ج6ص88


[1] «المهملة»: مثبت من (د).
[2] «أيضًا»: مثبت من (د) و(س).
[3] «محذوف»: ليس في (ص) و(م).
[4] في (ص) و(م): «إني».
[5] في (ب): «الكلمة».
[6] في (ص) و(م): «هنا».
[7] في (ب) و(س): «أساني»، والمثبت من (د) و(ص) و(م)، وهو موافق لما في هامش «اليونينية».
[8] في غير (د) و(س): «في قراءة».
[9] في (د): «كتابي».
[10] في (م): «وهو الأوجه».
[11] في (م): «ورد».