إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لما أقبل أبو هريرة ومعه غلامه وهو يطلب الإسلام

2532- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثني)) (شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين وتشديد المُوحَّدة، أبو عمر [1] العبديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) الرُّؤَاسيُّ _بضمِّ الرَّاء وبعدها همزةٌ فسينٌ مُهمَلةٌ_ الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ البجليِّ، أنَّه (قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَمَعَهُ غُلَامُهُ) لم يُسَمَّ (وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بالنَّصب على نزع الخافض، أي: من صاحبه؛ كما في الطَّريق الأولى [خ¦2530] (بِهَذَا) اللَّفظ [2] السَّابق، وقوله: «فضلَّ»؛ كذا هو في رواية أبي ذرٍّ، لكنَّه ضُبِّب عليه في فرع «اليونينيَّة»، وقال في الهامش: إنَّ الصَّواب: ((فأضلَّ)) أي: مُعدًّى بالهمزة، وحينئذٍ لا يحتاج إلى تقديرٍ (وَقَالَ: أَمَا) بالتَّخفيف (إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ) أي: الغلام (للهِ) وهذا من الكناية؛ كقوله: لا ملك لي عليك ولا سبيل ولا سلطان، أو أزلتُ ملكي عنك، وأمَّا قوله: هو حرٌّ، أو مُحرَّرٌ، أو حرَّرته؛ فصريحٌ لا يحتاج إلى نيَّةٍ، ولا أثر للخطأ في التَّذكير والتَّأنيث بأن يقول للعبد: أنتِ حرَّةٌ، وللأمة: أنتَ حرٌّ، وفكُّ الرَّقبة صريحٌ على الأصحِّ، ولو كانت أمته تُسمَّى قبل جريان الرِّقِّ عليها حرَّةً، فقال لها: يا حرَّةُ، فإن لم يخطر له [3] النِّداء باسمها القديم عَتَقَتْ، وإن قصد نداءها لم تُعتَق على الأصحِّ، وقيل: تُعتَق لأنَّه صريحٌ، ولو كان اسمها في الحال حرَّةً، أو اسم العبد حرٌّ أو عتيقٌ، فإن قصد النِّداء لم يُعتَق، وكذا إن أطلق على الأصحِّ، وفي «فتاوى» الغزاليِّ: أنَّه لو اجتاز بالمَكَّاس فخاف أن يطالبه بالمَكْس عن عبده، فقال: هو حرٌّ وليس بعبدٍ، وقصد الإخبار؛ لم يُعتَق فيما بينه وبين الله تعالى، وهو كاذبٌ في خبره ومقتضى [4] هذا ألَّا يُقبَل ظاهرًا، ولو قيل لرجلٍ استخبارًا: أطلَّقت زوجتك؟ فقال: نعم، فإقرارٌ بالطَّلاق، فإن كان كاذبًا فهي زوجته في الباطن، فإن قال: أردت طلاقًا ماضيًا وراجعت؛ صُدِّق بيمينه في ذلك، وإن قيل له ذلك التماسًا لإنشاءٍ [5]، فقال: نعم فصريحٌ؛ لأنَّ «نعم» قائمٌ مقام «طلَّقتها» المراد بذكره في السُّؤال، وأنَّه لو قال لعبده: افرغ من هذا العمل قبل العشيِّ وأنت حرٌّ، وقال: أردت حرًّا من العمل دون العتق دِينَ، فلا يُقبَل ظاهرًا، ولو قال لعبده: يا مولاي فكنايةٌ، ولو قال له: يا سيِّدي؛ قال القاضي حُسَينٌ والغزاليُّ: هو لغوٌ، وقال الإمام: الذي أراه أنَّه كنايةٌ، ولو قال لعبد غيره: أنت حرٌّ؛ فهو إقرارٌ بحرِّيَّته، وهو باطلٌ في الحال، فلو مَلَكَهُ حَكَمْنا بعتقه؛ مُؤَاخَذةً له بإقراره.
ج4ص311


[1] في (ب): «عمرٍو»، ولعلَّه تحريفٌ.
[2] في (د): «بلفظه».
[3] في (د): «بباله»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[4] في (م): «ويقتضي».
[5] في (م): «التماس الإفشاء»، وهو تحريفٌ.