إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن النبي استسقى فقلب رداءه

1011- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن إبراهيم الحنظليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((وهب بن جريرٍ)) بالجيم، هو ابن حازم الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: ((حدَّثنا)) (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) هو ابن محمَّد بن عَمرو بن حزمٍ، أخو عبد الله بن أبي بكرٍ الآتي (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) المازنيِّ الأنصاريِّ (عَنْ) عمِّه (عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) هو ابن عاصمٍ المازنيِّ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم اسْتَسْقَى، فَقَلَبَ رِدَاءَهُ) عند استقباله القبلة في أثناء الاستسقاء، فجعل اليمين على الشِّمال، والشِّمال
ج2ص238
على اليمين تفاؤلًا بتحويل الحال عمَّا هي عليه إلى الخصب والسَّعة.
أخرجه الدَّارقُطنيُّ بسندٍ رجاله ثقاتٌ مرسلًا، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه بلفظ: «حوَّل رداءه ليتحوَّل القحط»، وزاد أحمد: «وحوَّل النَّاس معه» وهو حجَّةٌ على من خصَّه بالإمام، ولأبي داود والحاكم: «أنه صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصةٌ سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلمَّا ثقلت عليه قَلَبها على عاتقه» فهمُّه بذلك يدلُّ على استحبابه، وتركه للسَّبب المذكور، والجمهور على استحباب التَّحويل فقط، ولا ريب أنَّ الَّذي اختاره الشَّافعيُّ أحوط، ولم يقع في حديث عبد الله بن زيدٍ سببُ خروجه عليه الصلاة والسلام، ولا صفته [1] حال ذهابه إلى المصلَّى، ولا وقت ذهابه. نعم في حديث عائشة المرويِّ عند أبي داود وابن حبَّان: «شكا النَّاس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحط المطر، فأمر بمنبرٍ وُضِعَ له في المصلَّى، ووعد النَّاس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشَّمس، فقعد على المنبر...» الحديث، وبهذا أخذ الحنفيَّة والمالكيَّة والحنابلة فقالوا: إنَّ وقت صلاتها وقتُ العيد، والرَّاجح عند الشَّافعيَّة أنَّه لا وقت لها معيَّن وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، بل جميع زمن [2] اللَّيل والنَّهار وقتٌ لها لأنَّها ذات سببٍ، فدارت مع سببها كصلاة الكسوف، لكنَّ وقتها المختار وقتُ صلاة العيد، كما صرَّح به الماورديُّ وابن الصَّلاح لهذا الحديث، وعند أحمد وأصحاب السُنن من حديث ابن عبَّاسٍ: «خرج صلى الله عليه وسلم متبذِّلًا [3] متواضعًا متضرِّعًا حتَّى أتى المصلَّى، فرقي المنبر» أي: لابسًا ثياب بذلةٍ؛ بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة؛ المهنة لأنَّه اللَّائق بالحال، وفارق العيد بأنَّه يوم عيدٍ، وهذا يوم مسألةٍ واستكانةٍ، وفي الرِّواية السَّابقة أوَّل الاستسقاء: «وحوَّل رداءه» بدل قوله هنا: «فَقَلب رداءه» وهما بمعنًى واحدٍ، وأعاد الحديث هنا لأنَّه ذكره [4] أوَّلًا لمشروعيَّة الاستسقاء والخروج إلى الصَّحراء، وهنا لمشروعيَّة تحويل الرِّداء خلافًا لمن نفاه.
ج2ص239


[1] في (د): «صفة».
[2] «زمن»: مثبتٌ من (م).
[3] في (ص) و(م): «مبتذلًا».
[4] في (د): «ذُكِرَ».