إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله يوم الجمعة

1029- (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: ((وقال)) (أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ، شيخ
ج2ص250
المؤلِّف ممَّا [1] وصله أبو نُعيمٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) الأصبحيُّ المدنيُّ، أخو إسماعيل بن أبي أويسٍ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) التَّيميِّ مولاهم (قَالَ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ، ولأبي ذَرٍّ: ((عن يحيى بن سعيدٍ)) قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ) ولابن عساكر: ((أتى أعرابيٌّ)) (مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ) فيه تضعيفُ قولِ مَن قال: إنَّه العبَّاس (إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وهو قائمٌ يخطب، فاستقبله قائمًا (فَقَالَ) وللأَصيليِّ: ((قال)): (يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ) وسبق في «باب الدُّعاء إذا كثر المطر» [خ¦1021] قال: «كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعةٍ، فقام النَّاس فصاحوا، فقالوا: يا رسول الله، قحط المطر...» والجمع بين الرِّوايتين: أنَّ الرَّجل قام أوَّلًا، فتبعه النَّاس وكذا في الجمعة الأخرى، أو أنَّهم صاحوا، فقام الرَّجل فتكلَّم عنهم، أو المراد بـ «النَّاس»: الرَّجل لأنَّه لمَّا كان قائمًا عنهم عبَّر عنه بهم، وكأنَّهم هم الَّذين صاحوا، قاله ابن التِّين، وإذا قلنا: بتخصيص الرَّجل الأعرابيِّ بالكلام، فترك خواصَّ الصَّحابة لذلك لأنَّ مقامهم العليَّ يقتضي الرِّضا والَّتسليم، بخلاف مقام [2] السائل فإنَّه مقام فقرٍ وتمسكُنٍ (هَلَكَ الْعِيَالُ) ولابن عساكر: ((هلكت العيال)) بتأنيث الضَّمير (هَلَكَ النَّاسُ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَدَيْهِ) حال كونه (يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (يَدْعُونَ).
استُدلَّ به على استحباب رفع اليدين في الدُّعاء للاستسقاء ولذا لم يُروَ [3] عن الإمام مالكٍ _رحمه الله_ أنَّه رفع يديه إلَّا في دعاء الاستسقاء خاصَّةً، وهل تُرفَع في غيره من الأدعية أم لا؟ الصَّحيح الاستحباب في سائر الأدعية، رواه الشَّيخان وغيرهما، وأمَّا حديث أنسٍ [4] المرويُّ في «الصَّحيحين» وغيرهما الآتي في الباب التَّالي [5] _إن شاء الله تعالى_: «أنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيءٍ من الدُّعاء إلَّا في الاستسقاء، فإنَّه كان يرفع يديه حتَّى يرى بياض إبطَيه» فمؤوَّل على أنَّه لا يرفعهما رفعًا بليغًا، ولذا قال في «المستثنى»: حتَّى يُرى بياض إبطيه. نعم ورد رفع يديه عليه الصلاة والسلام في مواضع؛ كرفع [6] يديه حتَّى رئي [7] عفرة إبطيه حين استعمل ابن اللُّتبيَّة على الصَّدقة كما في «الصَّحيحين»، ورفعهما أيضًا في قصَّة خالد بن الوليد قائلًا: «اللَّهم إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالدٌ» رواه البخاريُّ والنَّسائيُّ، ورفعهما على الصَّفا، رواه مسلمٌ وأبو داود، ورفعهما ثلاثًا بالبقيع مستغفرًا لأهله، رواه البخاريُّ في «رفع اليدين» ومسلمٌ، وحين تلا قوله تعالى: {إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} الآيةَ [إبراهيم: 36] قائلًا: «اللَّهم أمَّتي أمَّتي» رواه مسلمٌ، ولمَّا بعث جيشًا فيهم عليٌّ قائلًا: «اللَّهم لا تمتْني حتَّى تريَني عليًّا» رواه التِّرمذيُّ، ولمَّا جمع أهل بيته وألقى عليهم الكساء قائلًا: «اللَّهم هؤلاء أهل بيتي» رواه الحاكم، وقد جمع النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» نحوًا من ثلاثين حديثًا [8] من «الصَّحيحين» وغيرهما، وللمنذريِّ فيه جزءٌ، قال الرُّويانيُّ [9]: ويُكرَه رفع اليد النَّجسة في الدُّعاء، قال: ويحتمل أن يقال: لا يُكرَه بحائلٍ، وفي «مسلمٍ» و«أبي داود» عن أنسٍ: «أنه صلى الله عليه وسلم كان يستسقي هكذا، ومدَّ يديه، وجعل بطونهما ممَّا يلي الأرض حتَّى رأيت بياض إبطيه» فقال أصحابنا الشَّافعيَّة وغيرهم: السُّنَّة في دعاء القحط ونحوه من رَفْع بلاءٍ أن يجعل ظهر كفَّيه إلى السَّماء؛ وهي صفة الرَّهبة، وإن سأل شيئًا يجعل بطونهما إلى السَّماء، والحكمة أنَّ القصد رفعُ البلاء بخلاف القاصد حصول شيءٍ، أو تفاؤلًا ليُقلَب [10] الحال ظهرًا لبطنٍ، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرِّداء، أو إشارةً إلى ما يسأله؛ وهو أن يجعل بطن السَّحاب إلى الأرض لينصبَّ ما فيه من المطر.
(قَالَ) أنسٌ: (فَمَا خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى مُطِرْنَا) بدون همزةٍ مبنيًّا [11] للمفعول (فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ) بضمِّ النُّون وفتح الطَّاء (حَتَّى كَانَتِ الْجُمُعَةُ الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ) أي: الأوَّل لأنَّ الألف واللَّام للعهد الذِّكريِّ، وقد مرَّ ما فيه، لكنَّ رواية ابن عساكر: ((فأتى رجل)) صارفةٌ لتعيينه، مثبتةٌ للتَّردُّد (إِلَى نَبِيِّ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((إلى [12] رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ بَشِقَ) بالموحَّدة المفتوحة والمعجمة المكسورة وبالقاف، وكذا قيَّده كُراع في «المنضَّد»، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((بَشَقَ)) بفتح المعجمة، وقيَّده به الأَصيليُّ؛ أي: ملَّ،
ج2ص251
أو تأخَّر، أو اشتدَّ عليه الضَّرر، أو حُبِسَ (الْمُسَافِرُ، وَمُنِعَ الطَّرِيقُ).
1030- (وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ) عبد العزيز بن عبد الله ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «مستخرَجه»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (وَشَرِيكٍ) هو ابن عبد الله بن أبي نمرٍ (سَمِعَا أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: رَفَعَ) ولابن عساكر: ((أنَّه رفع)) (يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) استَدلَّ به غيرُ واحدٍ على خصوصيَّته عليه الصلاة والسلام ببياض إبطيه، وعُورض بقول عبد الله بن أقرم [13] الخزاعيِّ: «كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد» رواه التِّرمذيُّ _وحسَّنه_ وغيره، والعفرة: بياضٌّ ليس بالنَّاصع. نعم الَّذي يُعتقَد فيه عليه الصلاة والسلام أنَّه لم يكن لإبطه رائحةٌ كريهةٌ، بل كان عَطِر الرَّائحة كما ثبت في «الصَّحيحين» [14]، وفي رواية ابن عساكر: ((حتَّى يُرى بياض إبطيه)) وقول الأويسيِّ هذا ثابتٌ للمُستملي وابن عساكر وأبي الوقت.
قال في «الفتح»: وثبت لأبي الوقت وكريمة في آخر الباب الَّذي بعده، وسقط للباقين رأسًا لأنَّه مذكورٌ عند الجميع [15] في «كتاب الدَّعوات» [خ¦6341].
ج2ص252


[1] في (ص): «فيما).
[2] «مقام»: ليس في (م).
[3] في (م): «يرد».
[4] في (م): «وأمَّا الحديث»
[5] في (د): «الثَّاني»
[6] في (م): «رفع»، وليس بصحيحٍ.
[7] في (د) و(م): «تُرى».
[8] زيد في (د) و(س): «في ذلك».
[9] في (د): «النَّوويُّ».
[10] في (د): «لينقلبَ».
[11] في المخطوطين «مبني».
[12] «إلى»: مثبتٌ من (ص).
[13] في (ص): «أرقم»، وفي (م): «أقوم» وكلاهما تحريفٌ.
[14] في (ص) و(م): «الصَّحيح».
[15] في (ص): «للجميع».