مجمع البحرين وجواهر الحبرين

باب فرض صدقة الفطر

24م- باب فرض صدقة الفطر
ورأى أبو العالية ..إلى آخره.
فيه حديث ابن عمر قال: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً))، الحديث.
أما أثر أبي العالية وابن سيرين: فأخرجهما ابن أبي شيبة من حديث وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي العالية، وأما أثر عطاء: فحكاه البيهقي، وحكاه ابن حزم عن أبي قلابة، وبه قال جمهور العلماء، وحكى فيه ابن المنذر وغيره الإجماع عملاً بقول الراوي: فرض وأمر ثم لم ينه عنه، فبقي فرضاً لازماً.
وفي ((صحيح الحاكم)) وصحح إسناده من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر صارخاً ببطن مكة ينادي: ((إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم)).
وفي الدارقطني من حديث علي: ((هي على كل مسلم))، وهو الصحيح عندنا والمشهور عند المالكية، وحكى صاحب داود خلافاً فيها.
وحديث قيس بن عبادة: كنا نصوم عاشوراء ونؤدي زكاة الفطر، فلما نزل رمضان ونزلت الزكاة لم نؤمر به، ولم ننه عنه، ونحن نفعله، رواه أبو (د) والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، لا يدل على سقوط فرضها؛ لأن نزول فروض لا يوجب سقوط آخر، لا يقال: ((على)) بمعنى عن؛ لأن الموجب عليه غير الموجب عنه.
وسماها أبو حنيفة واجبة على قاعدته في الفرق بين الواجب والفرض، قيل: وخالف أصله فجعل زكاة الخيل فريضة، والتجارة فريضة، والخلاف فيه أظهر من هذا، والإجماع إذن على وجوبها، وإن اختلفوا في تسميتها.
وأغرب من قال أنها نسخت بالزكاة، قاله بعض أهل العراق، وتأول قول الراوي: ((فرض)): أي: قدر كما في قوله: {فريضة من الله}[التوبة:60] بعد آيات الصدقات، وجعلها مالك وغيره داخلة في آية الزكاة، ومن جعلها خارجة عنها يرده قوله: ((أمرت أن آخذ صدقة الفطر من أغنيائكم))، وصدقة الفطر تجب على غير الأغنياء، والإجماع قائم على لزومها عن الزوجة والخادم وولده الفقير إذ لا زكاة عليهم، فكأنها خارجة عن ذلك، وعند أبي حنيفة: لا تسمى زكاة، والحديث يرده.
واختلف العلماء في وجوبها على الفقير، ومشهور مذهب مالك وجوبها على من عنده قوت يومه معها، وقيل: على من لا تجحف به، وقيل: إنما تجب على من لا يحل له أخذها، وقيل: آخذ الزكاة.
وعن مالك: إذا أدى الفقير زكاة ص1538 الفطر فلا أرى أن يأخذ منها، ثم رجع فأجازه عند الحاجة.
وقال الشافعي: إذا فضل عن قوته وقوت ممونه مقدار زكاة الفطر، وهو قول أحمد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس على من يحل له أخذها حتى يملك مائتي درهم، واحتج بقوله عليه السلام: ((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها على فقرائكم))، وهذا فقير، فوجب صرفها إليه، ولا تؤخذ منه، وقال: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى))، فنفاها عن الفقير.
وفي ((فضائل رمضان)) لابن شاهين، وقال: غريب جيد الإسناد من حديث جرير مرفوعاً: ((شهر رمضان تعلق بين السماء والأرض فلا يرفع إلى الله عز وجل إلا بزكاة الفطر))، وروينا عن وكيع ابن الجراح: صدقة الفطر لرمضان كسجدتي السهو للصلاة تجبر النقصان.
فائدة: المشهور: أنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة عام فرض رمضان، وهل وجبت بعموم آي الزكاة أم بغيره؟ وذلك الغير هل هو الكتاب، وهو قوله: {قد أفلح من تزكى} [الأعلى:14] أو السنة؟ فيه خلاف لأصحابنا، حكاه الماوردي.
وأما حديث ابن عمر فأخرجه (خ) هنا، وترجم عليه بعده.
قال والدي رحمه الله تعالى:
قوله: ((رأى)): وفي بعضها: ((روى)) بالواو و((أبو العالية)): فاعله من العلو بالمهملة و((ابن سيرين)): غير منصرف للعلمية والعجمة.
قوله: ((إلى الصلاة)): أي: صلاة عيد الفطر.
قال الظاهرية: سنة ليست بواجبة، ومعنى ((فرض)): قدر وقال أبو حنيفة: واجبة ليست بفريضة بناء على مذهبه في الفرق بين الفرض والواجب، والجمهور على أنها فريضة؛ لأن المفهوم بحسب عرف الشرع من لفظ: ((فرض)) ذلك، ولا يجوز للراوي أن يعبر بالفرض عن المندوب مع علمه بالفرق بينهما.
ثم اختلفوا في الصغير فقيل: لا يجب الإخراج عنه؛ لأنها طهرة للصائم، والصبي لا يحتاج إلى التطهير إذ لا إثم له، وأجيب: بأن التعليل بالتطهير لغالب الناس كما أنها تجب على من لا ذنب له ككافر أسلم قبل الغروب بلحظة.
ثم قال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من ملك النصاب، والحديث عام له ولغيره.
وقال أبو عيسى الترمذي: لفظ: من المسلمين: انفرد بها مالك دون سائر أصحاب نافع وليس كما قال إذ وافقه فيها عمر بن نافع كما ترى، ووافقه الضحاك بن عثمان أيضاً، ذكره (م) في ((صحيحه)) عنه.