مجمع البحرين وجواهر الحبرين

كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

1- باب كيف كان بدو الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم[1].
وقول الله تعالى: {إنا أوحينا إليك} الآية [النساء:162].
قوله: ((باب)) يجوز رفعه بلا تنوين على الإضافة، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، ويجوز تنوينه، وهما جاريان في نظائره، ووقع في بعض نسخ البخاري بغير ذكر ((باب)) وهي سماع أبي العز الحراني.
قوله: ((بدو)) يجوز فيه الهمز من الابتداء، وتركه من الظهور والأول أرجح، وقال القاضي عياض: روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء بغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو، من الظهور.
قال أهل اللغة: بدأت الشيء بدأ: ابتدأت به، وبدا الشيء بلا همز بدوا بتشديد الواو كقعد قعودًا؛ أي: ظهر. فالمعنى على الأول: كيف كان ابتداؤه، وعلى الثاني: كيف كان ظهوره.
قال بعضهم: الهمز أحسن؛ لأنه يجمع المعنيين، والأحاديث المذكورة في الباب تدل عليه؛ لأنه بين فيه كيف يأتيه الملك ويظهر له، وكيف كان ابتداء أمره أول ما ابتدئ به. وقيل: الظهور أحسن؛ لأنه أعم.
قوله: ((وقول الله)) هو مجرور ومرفوع معطوف على ((كيف)) قاله النووي في ((تلخيصه))، وعبارة القاضي: يجوز الرفع على الابتداء، والكسر عطفًا على ((كيف)) وهي في موضع خفض، كأنه قال: باب كيف كذا، وباب معنى قول الله، أو الحجة بقول الله، قال: ولا يصح أن يحمل على الكيفية لقول الله تعالى، إذ لا يكيف كلام الله.
قوله: ((الوحي)) أصله الإعلام في خفاء ص21 وسرعة، ومنه: الوحاء الوحاء وهو في عرف الشرع إعلام الله تعالى أنبياءه ما شاء من أحكامه وأخباره، فكل ما دللت به عليه من كتاب أو رسالة أو إشارة بشيء فهو وحي، ومن الوحي الرؤيا والإلهام، وأوحى أفصح من وحى، وبه جاء القرآن، والثانية أسدية كما قاله الفراء.
وقال القزاز في ((جامعه)): هو من الله إلهام، ومن الناس إشارة، والوحي بمعنى الأمر في قوله تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين} [المائدة:111]، وبمعنى الإلهام في قوله تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى} [القصص:7]، وبمعنى التسخير في قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل:68]، وبمعنى الإشارة في قوله: {فأوحى إليهم أن سبحوا}[2] [مريم:11].
وسيأتي أقسامه قال أبو إسحاق الزجاج وغيره: هذه الآية جواب لما تقدم من قوله تعالى: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا} الآية [النساء:153] ، فأعلم الله تعالى أن أمره كأمر النبيين من قبله يوحى إليه كما أوحى إليهم، وقيل: المعنى: أوحى الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم وحي رسالة كما أوحى إلى الأنبياء، لا وحي إلهام.
والبخاري ذكر هذه الآية في أول كتابه تبركًا ولمناسبتها لما ترجم له، وأراد أن الوحي سنة الله تعالى في أنبيائه.
والبخاري بدأ بالوحي، ومالك في ((الموطأ)) بوقوف الصلاة، ومنهم من بدأ بالإيمان[3]، ومنهم من بدأ بالوضوء، ومنهم من بدأ بالطهارة، ومنهم من بدأ بالاستنجاء، ولكل وجه.
((ونوح)) أعجمي، والمشهور صرفه، ويجوز تركه.
قال والدي رحمه الله:
يجوز في باب كيف وفي نظائره أوجه ثلاثة:
أحدها: رفعه مع التنوين، والثاني: رفعه بلا تنوين على الإضافة، وعلى التقديرين هو خبر مبتدأ محذوف، والثالث: باب على سبيل التعداد للأبواب بصورة الوقف فلا إعراب له.
أقول: قد اعترض بعض من لم يفهم كلام والدي رحمه الله، وقال: الثالث لا وجه له كيف تكون كلمة بلا إعراب؟ قلت له: هذا نظير قول النحويين الأسماء قبل التركيب ليس لها إعراب, فهذا كأنه قال: ((باب)) بدون أن يركبه مع ما بعده فلا إعراب له كالأسماء قبل التركيب وهو ظاهر لمن يفهم.
قال والدي رحمه الله:
((وقول الله)) مجرور عطفاً على محل الجملة التي هي: كيف كان بدو الوحي، أو مرفوع عطفاً على لفظ البدء، ثم ذكر قول النووي كما سبق قال: وليس هو مجروراً أو مرفوعاً معطوفاً على كيف أو لا صحة له لا لفظاً ولا معنى إما لفظاً فلأن كيف منصوب بأنه خبر كان، وإما معنى فلأن التقدير حينئذ: وقول الله كان بدو الوحي، وهو فاسد.
قال والدي رحمه الله:
وإنما ذكر نوحاً ولم يذكر آدم لأنه أول مشرع عند بعض العلماء ولأنه أول نبي عوقب قومه وخصصه به تهديداً لقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: ويقال: أوحى ووحى لغتان والأول أفصح وبها ورد القرآن، وقال التيمي الأصفهاني شارح البخاري رحمه الله: واعلم أنه لو قال: كيف كان الوحي وبدؤه؛ لكان أحسن لأنه تعرض لبيان كيفية الوحي لا بيان كيفية بدو الوحي، وكان ينبغي أن لا يقدم على تعقب الترجمة غيره؛ ليكون أقرب إلى الحسن، وكذا حديث ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، لا يدل على بدء الوحي، ولا يعرض له، غير أنه لم يقصد بهذه الترجمة تحسين ص22 العبارة، وإنما مقصوده فهم السامع والقارئ إذا قرأ الحديث علم مقصوده من الترجمة فلم يشتغل بها تعويلاً على فهم القارئ.
قال والدي رحمه الله:
أقول: ليس ((لكان أحسن)) لأنا لا نسلم أنه ليس بياناً لكيفية بدء الوحي إذ يعلم من الباب أن الوحي كان ابتداؤه[4] على حال المنام ثم في حال الخلوة بغار حراء على الكيفية المذكورة من الغط، ثم ما فر عنه لازم عليه على هذا التقدير أيضاً إذ البدء عطف على الوحي كما قرره فيصح أن يقال ذلك عليه أيضاً، وليس ((كان ينبغي)) إذ هو بمنزلة الخطبة وقصد التقرب كما قال هو بنفسه، والسلف كانوا يستحبون افتتاح كلامهم بحديث النية بياناً لإخلاصهم فيه، وليس ((وكذا حديث ابن عباس)) إذ فيه بيان حال الرسول عند ابتداء نزول الوحي أو عند ظهور الوحي، والمراد من حال ابتداء الوحي حاله مع كل ما يتعلق بشأنه أي تعلق كان، كما في الحديث الهرقلي وهو أن هذه القصة وقعت في أحوال البعثة، والمراد من الباب بجملته بيان كيفية بدء الوحي لا من كل حديث منه، انتهى.


[1] 8 ـ اغسل ثيابك بالماء ونقها قاله ابن سيرين وابن زيد.
[2] في هامش الأصل: ((قال والدي الكرماني: ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا﴾ أي: كتب)).
[3] في هامش الأصل: ((هو مسلم)).
[4] في هامش الأصل: ((فإن قلت: في أي شهر من سني النبوة كان ابتداء الوحي قلت: الظاهر أنه كان في ربيع الأول في أول سني النبوة لأن مدة نبوته ثلاثة وعشرون سنة منها ستة أشهر كان يوحى إليه مناماً لأن وفاته في ربيع الأول آخر سني عمره ومن الحادية عشرة من الهجرة)).