مجمع البحرين وجواهر الحبرين

كتاب الإجارة

37- كتاب الإجارة
1- باب استئجار الرجل الصالح
وقال الله تعالى: {إن خير من استأجرت} الآية [القصص:26] والخازن الأمين.
ثم ساق:
حديث: ص2076 أبي موسى: ((الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين)).
وحديث أبي موسى: ((إنه لا نستعمل على عملنا من أراده)).
أما الآية فهو من قول ابنة شعيب صفوراء، وقيل: ابنة أخيه، وكان شعيب غيوراً، فقال لها: من أين عرفت قوته؟ قالت: أما قوته: فإنه أقل حجراً لا يحمله إلا عشرة، أو أربعون، أو جملة من الناس، إذ لم أر رجلاً أقوى من السقاء منه، وأما أمانته: فإنه لما جاء معي مررت بين يديه، فقال: كوني خلفي ودليني على الطريق؛ لئلا تصيبك الريح، وقال: قال ذلك لما رأى عجزها، أو لم يرفع رأسه.
قال مقاتل: ولدت صفوراء، بعد نصف يوم ولدت غيراء، فهما توأم، وكان بين المكان الذي فيه الغنم وبين شعيب ثلاثة أميال.
وذكر السهيلي: أن شعيباً هو ابن يثرون بن صيفون بن مدين بن إبراهيم، ويقال: شعيب ابن ملكاين، وقيل: لم يكن من مدين، وإنما هو من قوم الذين آمنوا بإبراهيم حين نجا من النار. وابنتاه مماليا وصفوراء، وأكثر الناس على أنهما ابنتا شعيب.
وقيل: إن شعيباً من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وروي أن سلمة بن سعد لما انتسب للنبي صلى الله عليه وسلم إلى عنزة قال عليه السلام: ((نعم الحي عنزة، رهط شعيب، وأختان موسى))، فإن صح فعنزة أولى ليس هو ابن أسد بن ربيعة، فإن معداً كان بعد شعيب بنحو من ألف سنة.
قلت: وقيل اسم إحداهما شرفا، وقيل: صفيراء بنتا يثرون، والتي تزوجها الصغرى.
قوله: {استأجره}: أي: لرعي غنمك {إن خير من استأجرت القوي}: على حرز ماشيتك وإصلاحها {الأمين}: عليها فلا يخاف منه فيها خيانة.
وقول (خ): ((والخازن الأمين، ومن لم يستعمل من أراده)): قد ساقهما بعد، وسلف في الزكاة بعضه مع حديث أبي موسى.
واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في هذا معنى الإجارة.
وقال الداودي: ذكره للخازن ليس من هذا الباب؛ لأنه لم يذكر فيه إجارة، وإنما أراد أن الخازن لا شيء له في المال، وإنما هو أجير، فلذا أدخله هنا.
وقال ابن بطال: إنما أدخله؛ لأن من استؤجر على شيء فهو أمين فيه، وليس عليه في شيء منه ضمان إن فسد أو تلف، إلا أن يضيع تضييعا معلوماً، فعليه الضمان.
قال مالك: لا يضمن المستأجر ما يعاب عليه، والقول قوله في ذلك مع يمينه.
قال المهلب: ولما كان طلب العمالة دليلاً على الحرص وجب أن يحترس من الحريص عليها، وقد أخبر أنه عليه السلام لا يعان من طلب العمل على ما يطلبه، وإنما يعان عليه من طلب به، وإذا كان هذا في علم الله معروفاً وعلى لسان نبيه، وجب أن لا يستعمل من علم أنه لا يعان عليه ممن طلبه، فوجب على العاقل أن لا يدخل ذلك إلا بضم السلطان له إليه، إذا علم أنه سيطلع به.
قوله: ((أحد المتصدقين)): روي بالتثنية والجمع، قال ابن الأثير: والأول أبين.
قوله: ((إنا لا نستعمل)): وفي بعضها: ((إنا إن نستعمل)) وفي أخرى: ((إن أو لا نستعمل)) وصحح عليها الدمياطي.
قال ابن التين: ((أو لا)): ضبط في بعض النسخ بضم الهمزة وفتح الواو وتشديد اللام: فعل مستقبل من ولى، وفي بعضها ص2077 بفتح الهمزة وسكون الواو، وكأنه شك هل قال: ((إن))، أو ((لا))؟
وحديث أبي موسى دال لما ترجم له، قال تعالى: {والعاملين عليها} [التوبة:60].
وفيه: أنه لا يؤمر مريد الإمارة من وال أو قاض أو غيرهما، وهو نهي، وظاهره التحريم _ كما قال القرطبي _ كما قال: ((لا تسأل الإمارة، وإنا والله لا نولي على عملنا هذا أحداً يسأله ويحرص عليه))، فلما أعرض عنهما ولم يولهما لحرصهما ولى أبا موسى الذي لم يحرص عليها.