مجمع البحرين وجواهر الحبرين

باب صلاة الخوف

1- باب صلاة الخوف
وقول الله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح} الآية.
فيه حديث الزهري: سألته: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعني: صلاة الخوف .. الحديث.
هذا الحديث يأتي أيضاً في المغازي والتفسير إن شاء الله تعالى، وأخرجه (م). ورويت على وجوه كثيرة.
قال ابن العربي: رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف روايات كثيرة، أصحها ست عشرة رواية مختلفة، وقال في ((القبس)): صلاها أربعاً وعشرين مرة.
وقال أبو عمر: المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ستة أوجه.
وقال غيره: صح منها سبعة. وذكر ابن القصار أنه صلاها في عشرة مواطن، وصححها بعضهم في ثلاث فقط.
وقال ابن حزم: هو مخير بين أربعة عشر وجها، كلها صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبارته: من حضره خوف عدو ظالم كافر أو باغ من المسلمين أو من سيل أو نار أو وحش أو سبع أو غير ذلك، وهم في ثلاثة فصاعداً فأميرهم مخير بين أربعة عشر وجهاً كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخبار أصحابنا منها ثلاثة: صلاته بعسفان وببطن نخل وبذات الرقاع وصلاة المسايفة.
وزعم الداودي أن صلاة الخوف كانت بذات الرقاع فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها وكانت في المحرم يوم السبت لعشر خلون منه، وقيل: سنة خمس وقيل: في جمادى الأولى سنة أربع وذكرها (خ) بعد غزوة خيبر كما سيأتي إن شاء الله تعالى ويقال: كانت قبل بدر الموعد.
وحديث زيد بن ثابت أنه عليه السلام صلاها مرة ثم لم يصل قبلها ولا بعدها أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن مجاهد ووهاه ابن حزم فقال: خبر ساقط وعند ابن بزيزة نزلت في عسفان في صلاة العصر.
وفي حديث جابر: صلاها في غزوة جهينة. وقيل: في بطن نخل. وقيل: في ذات الرقاع، سنة خمس. وقيل: في غطفان. وغزوة نجد المذكورة هنا هي ذات الرقاع، وقيل هي الخندق إجماعاً، إلا ما شذ به (خ) من أنها بعد خيبر. اللهم إلا أن يكون حضرها من غير إجازة، نعم لما كان يوم الخندق لم تنزل صلاة المسايفة، كما رواه الدارمي وأبو داود الطيالسي من حديث أبي سعيد.
قال الطحاوي وأبو يوسف أيضاً: إذا كان العدو في القبلة، وإن كانوا في غيرها فكما روى ابن عمر.
وأما أبو حنيفة ومالك فتركا العمل به لمخالفته الكتاب. وقال أحمد ص1095 فيما حكاه الخلال في ((علله)) عنه: لا أعلم أحدا قال في الماشي يصلي إلا عطاء، وما يعجبني أن يصلي الماشي. قلت: حكاه عطاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه ابن أبي شيبة، وروى عن مجاهد الصلاة وهو يمشي.
فقال مكحول: لا بأس به وفعله سعيد بن جبير وأبو برزة الصحابي.
وفي ((المصنف)) عن عطاء وسعيد بن جبير وأبي البختري وأصحابهم قالوا: إذا التقى الزحفان وضرب الناس بعضهم بعضا وحضرت الصلاة فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فتلك صلاتك، ثم لا يعيد.
وعن مجاهد والحكم: إذا كان عند الطراد وسل السيوف أجزأ الرجل أن تكون صلاته تكبيراً، فإن لم يكن إلا تكبيرة واحدة أجزأته أينما كان وجهه، وعن إبراهيم: إذا حضرت الصلاة في المطاردة فأوم حيث كان وجهك. وفي لفظ: ركعة. وسئل الحسن عن الصلاة إذ ذاك. قال: يصلي ركعة وسجدتين تلقاء وجهه. وقال حماد: ركعة حيث كان وجهه.
وقال جابر بن عبد الله: صلاة الخوف ركعة. وللبزار عن ابن عمر مرفوعا: ((صلاة المسايفة ركعة، على أي وجه كان الرجل تجزئ عنه)).
وزعم ابن حزم أنه إن كان وحده فهو مخير بين ركعتين في السفر أو ركعة واحدة وتجزئه.
وقد روي هذا عن حذيفة أنه صلى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا.
وصح هذا أيضاً مسنداً عن جابر. وأخبر جابر أن القصر المذكور في الآية عند الخوف هو هذا. فهذه آثار متظاهرة متواترة، وقال بها جمهور السلف.
فمذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت، إلا أبا يوسف والمزني فقالا: إنها مخصوصة وبه قال مكحول والحسن اللؤلؤي ومحمد بن الحسن وبعض الشاميين، عملاً بقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} [النساء:102] الآية.
والجواب: أن هذا خطاب مواجهة؛ لأنه المبلغ عن الله، لا خطاب تخصيص، لما صح أن الصحابة صلوها بعده، منهم علي وأبو هريرة وأبو موسى وغيرهم، وقد قال: ((صلوا كلما رأيتموني أصلي)). وقالت طائفة، منهم: أبو يوسف وابن علية، فيما حكاه في ((التمهيد)): لا يصلي بعده إلا بإمامين كل واحد بطائفة ركعتين، واحتجوا بقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} [النساء:102] الآية. فإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم؛ لأنه ليس كغيره في ذلك.
والجواب أن الإجماع على أن قوله: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة:103] أن خلفاءه يقومون مقامه في ذلك، فكذا هذه الآية وغيرها.
وقيل: إن أبا يوسف رجع عن ذلك، وأجاب ابن العربي عن شبهة أبي يوسف أنه إذا زال الشرط بطل المشروط من أوجه:
1: أن شرط كونه عليه السلام إنما دخل لبيان الحكم لا لوجوده، تقديره: بين لهم بفضلك، فهو واقع في الإيضاح من قولك.
2: أنه إذا جاز له فعل ذلك جاز لنا إلا ما خص به.
3: أن كل عذر طرأ عليه العبادة يستوي فيها الشارع وغيره كالسفر وغيره، والضرب الذي في الآية التي ذكرها (خ) السفر وهذه الآيات نزلت بعسفان بين الظهر والعصر كما أخرجه (د، ن) من حديث أبي عباس الزرقي.
قوله: (({ولتأخذوا أسلحتهم})) أي: ولتأخذ الباقون أسلحتهم، قوله: (({وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم})) يحتمل أن يكون للجميع وأن يكون لمن لم يصل.
والخلاف في صلاة الخوف في ثلاثة مواضع في جواز فعلها الآن وهل يفعل في الحصر وفي صفتها وانفرد ابن الماجشون فمنعها في الحضر تمسكاً بظاهر وإذا ص1096 خيرتم في الأرض.
قوله: ((فوازينا العدو)) أي: حاذيناهم.
قال والدي رحمه الله تعالى:
قوله: ((سألته)) أي: قال شعيب سألت الزهري و((القبل)) بكسر القاف وفتح الموحدة الجهة و((قامت)) أي: الصلاة و((جاءوا)) أي: الطائفة التي لم تصل.
قال ابن بطال: حكى عن أبي يوسف والمزني أنهما قالا: صلاة الخوف منسوخة لا يجوز أن تصلى بعد الرسول بدلالة تأخيره صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن وقتها وقالا: إنما خاطب الله نبيه بذلك فهو خاص له، ولأن فيها تغيير هيئات لا تجوز إلا خلفه صلى الله عليه وسلم وهو مردود عليهما.
أما حكاية النسخ فلأنها قول من لا يعرف السنن لأن يوم الخندق كان سنة خمس ونزول آية صلاة الخوف. سنة سبع فكيف ينسخ الآخر بالأول وأيضاً والصحابة أعرف بالنسخ، وقد صلوا صلاة الخوف وأما بحث الخطابي فهو منقوض بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة}.
وأجمعوا أنه معمول بها كما كان يعمل في حياته، وأما قولهم فيها تغيير هيئة رد ما أوجبه القرآن، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أن استدراك فضيلة الوقت مع تغيير الصفات أولى.
أقول:
قال ابن العربي: إن الله سبحانه فرض فرائضه وشرع شرائع ورفع الحرج عن عباده فيها وأذن لهم بأن يقوموا حسب الإمكان عليها ومن أعظمها وجوباً الصلاة لم يرخص في تركها ولا حمل ما لا يستطاع صلى قائماً وإن لم يستطع فقاعداً أو على جنب فإن شق عليك الأربع فركعتان، فإن شقت القبلة فاتركها أو تعذرت الطهارة فأسقطها أو انكشفت العورة فأعرض عنها أو تغيرت النية مع الخوف فاحتملها.