مجمع البحرين وجواهر الحبرين

كتاب المكاتب

50- باب في المكاتب
الكتابة من الكتب أي: الجمع وهي في الشرع تعليق عتق نصفه تضمنت معاوضة باب المكاتب ونحوه.
وقوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب} الآية.
وقال روح، عن ابن جريج: إلى آخره، وقال عمرو بن دينار: إلى آخره.
وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب، قال عروة: قالت عائشة إن بريرة دخلت عليها الحديث.
هذه الآية أصل في مشروعية الكتابة وكانت معروفة قبل الإسلام فأقرها الشارع وعلمت بها الأمة.
واختلف في أول من كوتب في الإسلام، قيل: سلمان الفارسي كاتب أهله على مائة ودية نجمها لهم. فقال عليه السلام: ((إذا غرستها فآذني)) فلما غرستها آذنته، فدعا فيها، فلم تمت منها ودية واحدة.
وقيل: أول [من] كوتب في الإسلام أبو مؤمل. فقال عليه السلام: ((أعينوا أبا مؤمل)) فأعين فقضى كتابته وفضلت عنده، فاستفتى رسول الله فقال: ((أنفقها في سبيل الله)).
قوله: {والذين يبتغون الكتاب} [النور:33] احتج به على أن السيد لا يجبر عبده عليها ومعنى {يبتغون} يطلبون، وفيه خلاف للمالكية.
والكتاب والمكاتبة واحد، والمكاتبة مفاعلة مما يكون من اثنين؛ لأنها معاقدة بين السيد وعبده، والأمر بالكتابة على الندب خلافاً لداود حيث قال على الوجوب إذا سأله العبد أن يكاتبه.
قال ابن حزم: وبإيجابه وإجباره يقول أبو سليمان وأصحابنا. وقال عكرمة أيضاً بالوجوب.
حجة الجمهور أن الإجماع منعقد على أن السيد لا يجبر على بيع ص2314 عبده، وإذا كان كذلك كان أحرى وأولى أن لا يخرج عن ملكه بغير عوض لا يقال إنها طريق العتق، والشارع متشوف إليه فخالف البيع؛ لأن التشوف إنما هو في محل مخصوص، وأيضاً الكسب له فكأنه قال: أعتقني مجاناً.
وقال عطاء: يجب عليه إن علم له مالاً، كما حكاه (خ).
وتعليق الليث أخرجه (م) عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن يونس به، وأنها كانت لم تؤد من كتابتها شيئاً.
واختلف في الخير في الآية، فقالت طائفة: الدين والأمانة. وقالت أخرى: مثل {وإنه لحب الخير لشديد}، و{إن ترك خيرا}.
وقال ابن عباس: الخير: المال والأداء. وقال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقول: هو القوة على الاكتساب والأداء.
وكره ابن عمر كتابة من لا حرفة له فيبعثه على السؤال، وقال: يطعمني أوساخ الناس. وضعف الطحاوي الثاني فقال: من قال: إنه المال لا يصح عندنا؛ لأن العبد نفسه مال لمولاه، فكيف يكون له مال؟.
والمعنى عندنا: إن علمتم فيهم الدين والصدق، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم.
وقال ابن حزم لما ذكر القول الثاني موضوع كلام العرب؛ لأنه لو أراد المال لقال: إن علمتم لهم خيراً أو عندهم أو معهم خيراً؛ لأنه بهذه الحروف يضاف المال إلى من هو له في لغة العرب، ولا يقال أصلاً في فلان مال، فعلمنا أنه لم يرد المال، فصح أنه الدين ولا خير في دين الكافر، وكل مسلم على أديم الأرض فقد علمنا فيه الخير بقول الشهادتين.
روي عن علي أنه سئل: أكاتب وليس لي مال؟ فقال: نعم. فصح أن الخير عنده لم يكن المال.
وفي ((المصنف)): كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد أنه من قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس، وكرهه أيضاً سلمان.
وقالت طائفة بكلا الأمرين، وهو قول سعيد أخي الحسن والشافعي، وأباح الحنفيون والمالكيون كتابة الكافر الذي لا مال له.
واختلفوا في الإيتاء في الآية، فذهب مالك وجمهور العلماء كما حكاه عنهم ابن بطال إلى أن ذلك على الندب والحض أن يضع الرجل عن عبده من أجل كتابته شيئاً مسمى يستعين على الخلاص، وذهب الشافعي وأهل الظاهر إلى أن الإيتاء للعبد واجب.
قال ابن بطال: وقول الجمهور أولى؛ لأنه عليه السلام لم يأمر موالي بريرة بإعطائها شيئاً، وقد كوتبت وبيعت بعد الكتابة، ولو كان الإيتاء واجباً لكان مقدراً كسائر الواجبات، يعني: إذا امتنع السيد من حطه ادعاه عند الحاكم عليه.
وأما دعوى المجهول فلا يحكم بها، ولو كان الإيتاء واجباً وهو غير مقدر كان الواجب للمولى على المكاتب هو الباقي بعد الحط، فأدى ذلك إلى جهل مبلغ الكتابة، وذلك لا يجوز.
قلت: حديث بريرة لا حجة فيه؛ لأن بالبيع ارتفعت الكتابة، وكان النخعي يذهب في تأويل الآية أنه خطاب للموالي ص2315 وغيرهم، وقاله الثوري.
قال الطحاوي: وهو حسن من التأويل، حض الناس جميعاً على معاونة المكاتبين لكي يعتقوا.
واختلف في مقداره فروي عن ابن مسعود الثلث، وعن علي: الربع. وقال سعيد بن جبير: يضع عنه شيئاً، ولم يحده.
قوله: ((ونجومه في كل سنة نجم)) الظاهر من قول مالك أن الكتابة تكون منجمة، ولا نص في الحالة عنده، كما قال مالك. ((قال)): ومحققو أصحابه يجوزونها ويقولون خلافاً للشافعي؛ لأنها عتق بعوض فجازت مع تعجيله وتأجيله، أصله بيع العبد من نفسه.
وعندنا لا يكون في أقل من نجمين، واختاره بعض المالكية.
وقال ابن بطال: سنة الكتابة أن تكون على نجوم تؤدى نجماً بعد نجم، قال: وأجاز مالك والكوفيون الكتابة الحالة، فإن وقعت حالة أو على نجم واحد فليست كتابة عند الشافعي، وإنما هو عتق على صفة.
احتج به القاضي في ((معونته)) على جواز جمع المكاتبين في كتابة واحدة لقوله: {فكاتبوهم} [النور:33] ومنعه الشافعي.
قوله: ((قلت لعطاء: تأثره عن أحد؟)) وقوله: ((فأبى، فضربه بالدرة)) فعله نصحاً له، ولو كانت الكتابة لازمة ما أبى، وإنما ندبه عمر إلى الأفضل، وروي أنه أمره بكتابة سيرين فأبى، فرفع عليه الدرة فكاتبه، فأتاه بنجومه قبل محلها فأبى قبولها حتى تحل، فرفعها عليه أيضاً فأخذها.
ويجوز نجم الكتابة قل أو كثر، ولا حد فيه.
واعترض ابن بطال فقال: قول الشافعي: لا يجوز أقل من نجمين لو كان صحيحاً لجاز لغيره أن يقول: لا تجوز على أقل من خمسة نجوم؛ لأن أقل النجوم التي كانت على عهده عليه السلام في بريرة وعلم بها وحكم فيها خمسة، وكان بصواب الحجة أولى.
وأيضاً فإن النجم الثالث لما لم يكن شرطاً في صحتها بإجماع، فكذا الثاني؛ لأن كل واحد منهما له مدة تتعلق بها تأخير مال الكتابة، فإذا لم يكن أحدهما شرطاً وجب أن لا يكون الآخر كذلك.
احتج بقوله في الحديث: ((وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين)) من أجاز النجامة في الديون كلها على أن يقول: في كل شهر وفي كل عام كذا ولا يقول: في أول الشهر، ولا في وسطه ولا في آخره؛ لأنه يذكر فيه أن النجم وقت يحل فيه ولم ينكر عليه السلام ذلك وأبى هذا القول أكثر الفقهاء.
وقالوا: لا بد أن يذكر أي شهر من السنة يحل النجم فيه، فإن لم يذكر ذلك فهو أجل مجهول لا يجوز؛ لأنه عليه السلام نهى عن البيع إلا إلى أجل معلوم.
و((أواق)) جمع أوقية مشدد والجمع أواقي مشدد ومخفف أيضاً، ((ونفست)): رغبت.
وفيه أن بيع الأمة لا يكون طلاقاً، خلافاً لابن عباس وابن المسيب وأنس وأبي؛ لأنه لو كان طلاقاً ما خيرها الشارع.
وفيه: رد على ابن عباس حيث قال: إن المكاتب حر بنفس الكتابة.
وفيه: جواز بيع المكاتب للعتق، ويجوز بيع كتابته عند مالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي وعبد العزيز وربيعة.
وفيه: فسخها، وقيل: إنها عجزت نفسها.
وفيه: أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. وقال ابن مسعود: إذا أدى النصف كان حراً ويتبع، وقيل: إذا أدى الثلث كان حراً ويتبع أيضاً، وقيل: الربع، وقيل: إذا أدى نجما وقيل: إذا أدى قيمته.
قوله: ص2316 ((من اشترط شرطا ليس في كتاب الله)) وفي الباب الذي بعده: ((وإن اشترط مائة مرة)).
فيه: أن مفهوم الخطاب لا يقوم مقام الخطاب، وأن ما فوق المائة داخل في حكم المائة وهو في معنى قوله: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم}.
وفيه: جواز كتابة الأمة وإن كانت تسأل، وذكر القاضي في ((معونته)) أن ذلك مكروه ولما روي عن عثمان: لا تكلفوا الأمة الكسب فتكتسب بفرجها.
واختلف في كتابة الكبير إذا لم يكن له حرفة والمشهور جوازه، وروي منعه، واختلف في كتابة الصغير ففي ((المدونة)): هي جائزة.
وقال أشهب: لا، وقول أهل بريرة في الباب الذي بعده: إن شاءت أن تحتسب عليك وهو من الحسبة أن تحتسب الأجر من الله بعده.