مجمع البحرين وجواهر الحبرين

باب فرض الجمعة

1- باب فرض الجمعة
لقول الله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة}.
ثم ذكر حديث أبي هريرة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نحن الآخرون)).. الحديث.
الجمعة: بضم الميم وإسكانها وفتحها، حكاها الواحدي، والمشهور الضم، وبه قرئ في السبعة، سميت بذلك، لاجتماع الناس لها. وقيل: لما جمع فيها من الخير. وقيل: لأن الله جمع فيه خلق آدم. وقيل: لاجتماع آدم فيه مع حواء في الأرض، وقيل: لأنه آخر الأيام الستة التي خلق الله فيها المخلوقات، فاجتمع جميع الخلق فيه.
وفي ((أمالي ثعلب)): سمي بذلك لأن قريشاً كانت تجتمع إلى قصي في دار الندوة، وفي ((الأنساب)) للزبير: كانت تسمى: العروبة، وأن كعب بن لؤي كانوا يجتمعون إليه فيها فيخطبهم ويعلمهم بخروج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه من ولده، قال: فسميت الجمعة بذلك.
وقال ابن حزم: هو اسم إسلامي، فلم يكن في الجاهلية، وإنما كان يسمى في الجاهلية: العروبة. فسمي في الإسلام الجمعة؛ لأنه يجتمع فيه للصلاة، اسماً مأخوذاً من الجمع.
وادعى الشيخ أبو حامد في ((تعليقه)) أن الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة، وفيه نظر.
أقول:
قال المسعودي في مروج الذهب فأما أسماء الأيام فأولها: الأحد سمي بذلك لأنه أول يوم خلقه الله من الزمان وبذلك نطقت التوراة، وسمي الاثنين لأنه ثان له، وسمي الثلاثاء لأنه ثالث، والأربعاء لأنه رابع، والخميس لأنه خامس والجمعة لأن الخلق أجمع فيه، والسبت لأن الخلق انقطع فيه وخلق في آخره آدم وهو مأخوذ من قولهم نعل سبتية إذا كانت مقطوعة الشعر يقال سبت شعره وسمده إذا قطعه وكانت العرب تسميها في الجاهلية الأحد أول الاثنين أهون الثلاثاء جبار الأربعاء دبار الخميس مؤنس الجمعة عروبة السبت شيار.
والأيام النحسات كل أربعاء يوافق أربعاء من الشهر مثل أربع خلون وأربع عشرة خلت وأربع عشرة بقيت وأربع وعشرين خلت وأربع بقيت انتهى كلام المسعودي[1].
أقول:
وسبعة أيام مذمومة ذكرها العلماء نثرا ونظماً وهي ثالث الشهر وخامسه وثالث عشرة وسادس عشرة وحادي عشريته ورابع عشريته وخامس عشريته.
قوله: النداء: هو الأذان، عند قعود الإمام على المنبر.
و{اسعوا} [الجمعة:9] أي: امضوا. وقيل: المراد به: القصد دون العدو. والذكر: الخطبة والصلاة. وفي هذه الآية خمس فوائد: النداء للجمعة، والأمر بالسعي، والنهي عن البيع وهوص1047 تنبيه عن كل ما يشغله مما هو في معناه ووجوب الخطبة؛ لأن الذكر الذي يحضره الساعي هو في وقت إتيانه الخطبة، والخطبة غير محصور ما يذكر فيها.
والحديث أخرجه (م) أيضاً، ومعنى: الآخرون الذين جاءوا آخر الأمم، السابقون في الفضل والكرامة، والذين سبقوا الناس يوم القيامة إلى الموقف، فحازوا سرعة الحساب والتقديم على العباد، وسبقوا في الدخول إلى الجنة.
وحصل لهم ذلك بهذا النبي العظيم، وقد سلف في حديث: ((إنما مثلكم فيمن خلا من الأمم قبلكم)) أن هذه الأمة أعطيت أجر أهل الكتابين، فالوصفان أعني: الآخرون السابقون لنا ملكة ثابتان، وبذكرهما يعرف الآخر، ورواية (م): ((نحن الآخرون ونحن السابقون)) بالعطف وله فائدتان: فإن الأولى: ما في إعادة ضمير المتكلم الذي يضاف الخبر إليه من الفائدة يفرغ السمع به في كل خصلة. الثاني: ليس أن السبق لهم دون غيرهم، كأن قائلا قال لما قال: نحن الآخرون فماذا لكم بذلك إذا ثبت لكم التأخر وتركتم التقدم؟ فقال: ونحن السابقون بالعطف.
و((بيد)) بفتح الباء ثم مثناة تحت بمعنى: غير. قال القرطبي: نصبه على الاستثناء ويمكن على ظرف الزمان. وقيل بمعنى على أنهم. وعن الشافعي: بمعنى من أجل، وحكي بالميم بدل الباء؛ لقرب المخرج.
قال ابن سيده: والأولى أعلى وروي بأيد أي: بقوة إنا أعطينا، حكاها صاحب ((مجمع الغرائب)) وهي غلط، قال أبو عبيد: هو غلط ليس له معنى يعرف. وكذا قال في ((الواعي)) وابن الأثير: لا أعرفها لغة ولا في كتاب، ولا أعلم وزنها، وهل الباء زائدة أم أصلية؟
قال القرطبي: قوله: ((أوتوا الكتاب من قبلنا)) يريد به: التوراة والإنجيل. واختلف في كيفية ما وقع لليهود، هل أمروا بيوم معين وهو الجمعة، أو بيوم غير معين؟ على قولين، ويؤيد الأول، كما قال القاضي.
قوله: ((هذا يومهم الذي فرض الله عليهم)) وعينت لليهود السبت، قالوا: لأن الله فرغ فيه من الخلق؛ فنحن نستريح فيه عن العمل، ونشتغل بالشكر، وعينت النصارى الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ الخلق فيه، وهذه الأمة عينه الله لهم، ولم يكلهم إلى اجتهادهم فضلاً منه ونعمة.
قوله: خير يوم طلعت فيه الشمس قال عليه السلام وفيه ساعة يستجاب فيه الدعاء.
ويؤيد الأجر وهو ما جزم به ابن بطال فاختلفوا فيه أي: في تعيينه فهدانا الله له أي بتعيينه لنا لا باجتهادنا إذ لو عين لهم فعاندوا فيه لما أجيب بالاختلاف وقد جاء أن موسى عليه السلام أمرهم بالجمعة وأعلمهم فضلها فناظروه أن السبت أفضل، فقيل له: دعهم.
قال النووي: ويمكن أن أمروا به صريحاً ونص على عينه، فاختلفوا فيه، هل لهم إبداله فغلطوا في إبداله؟ قال الداودي: وفيه أنزلت: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} [البقرة:213].
وروي نحوه عن زيد بن أسلم قال: اختلفوا فيه وفي القبلة والصلاة والصيام، وفي إبراهيم وعيسى، فهدى الله هذه الأمة للحق من ذلك بإذنه أي: بعلمه، ولسبق الجمعة على السبت والأحد معنى، وذلك لأن ترتيب الأيام الثلاثة إذا سردت متتابعة لا يصح إلا بأن يتقدمها الجمعة، وليس ذلك لواحد من السبت والأحد.
وفيه: سقوط القياس مع وجود النص وذلك أن كلا منهما قال بالقياس مع وجود النص على قول التعيين.
وفيه: التفويض وترك الاختيار؛ لأنها إخبار لأنهما اختارا فضلا، ونحن علقنا الاختيار على من هو بيده فهدى وكفى. قال مجاهد في قوله تعالى: ص1048 {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل:124] تركوا الجمعة واختاروا السبت، قال قتادة: أحله بعضهم وحرمه بعضهم.
ونصب غد على الظرف، وهو متعلق بمحذوف، وفي قوله: ((أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا)) دلالة لمذهب أهل السنة أن الهدي والإضلال، والخير والشر كله بإرادة الله تعالى، وهو فضله خلافاً للمعتزلة.
قال والدي رحمه الله تعالى:
قوله: ((فرض الجمعة)) وهي بسكون الميم بمعنى المفعول أي: اليوم المجموع فيه وبضمها تثقيل لها كعسر في عسر وبفتحها بمعنى الفاعل أي: اليوم الجامع للناس.
فإن قلت: لم أنث وهو صفة لليوم قلت ليس التاء للتأنيث بل للمبالغة كقولهم رحل علامة أو هو صفة للساعة.
قوله: ((بيد)) قال أبو عبيد لفظة بيد تكون بمعنى غير وبمعنى على وبمعنى من أجل وكله صحيح هنا كما يقال نحن الآخرون لأجل إيتاء الكتاب لهم قبلنا ونحن السابقون لهداية الله لنا كذلك.
و((أنهم)) أي: اليهود والنصارى و((الكتاب)) أي: التوراة والإنجيل و((هذا)) أي: يوم الجمعة و((فرض الله)) أي: اجتماعهم فيه.
و((التبع)) جمع: التابع كالخدم و((الخادم)) و((اليهود)) أي: عيد اليهود أو مجمعهم غداً لأن ظروف الزمان لا تكون إخباراً عن الحين فيقدر فيه معنى يمكن تقديره خبراً و((غدا)) أي: السبت و((بعد غد)) أي: الأحد.
الخطابي: نحن الآخرون يريد في الزمان من مدة أيام الدنيا والسابقون في الكرامة والفضل في الآخرة وبيد معناها الاستثناء أي غير أنهم أوتوا الكتاب قبلنا وهذا يومهم يريد أن المفروض عليهم نسك يوم الجمعة وتعظيمه فاختلفوا فيه فمالت اليهود إلى يوم السبت؛ لأنهم زعموا أنه يوم قد فرغ الله فيه عن خلق الخلق فقالوا نستريح فيه عن العمل ونشتغل بالعبادة والنصارى مالت إلى الأحد قالوا هو أول يوم بدأ الله فيه بخلق الخليقة فهو أولى بالتعظيم فهدانا الله لليوم الذي فرضه وهو الجمعة وهذا سابق على السبت والأحد فنحن السابقون لهم في الدنيا أيضاً من هذا الوجه.
التيمي: يريد بقوله نحن الآخرون السابقون أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وأمته يسبقون سائر الأمم بدخول الجنة، وأما فهذا يومهم قيل: معناه فرض عليهم يوم الجمعة ووكل إلى اجتهادهم فاختلفوا في أي الأيام يكون ذلك.
الزركشي:
((الجمعة)) بضم الميم وفتحها وإسكانها فالأولان لأنها جامعة والثالثة لجمعهم فيها فإن فعلة بالتحريك للفاعل كهمزة وفعلة كهزأة.
((نحن الآخرون)) زماناً في الدنيا ((السابقون)) منزلةً يوم القيامة في القضاء لهم قبل الخلائق وفي دخول الجنة رواه (م) بلفظ: نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق.
قوله: ((اليهود والنصارى بعد غد)) كذا الرواية برفع اليهود على الابتداء وهو مشكل لأن ظرف الزمان لا يكون إخباراً عن الحين وانتصب غداً على الظرف، فالواجب أن يقدر قبل اليهود والنصارى مضافان من أسماء المعاني تكون ظرف الزمان خبرين عنهما فالتقدير فغداً تعييد اليهود وبعد غد تعييد النصارى، وقيل: إنهما متعلقان بمحذوف تقديره واليهود يعظمون غداً والنصارى بعيد غداً.


[1] في هامش المخطوط: ((أقول: وقال المسعودي في قصة هود في المروج أيضا أن قوم هود أتتهم الريح يوم الأربعاء فما أتت الأربعاء الثانية وما منهم حي ممن .... ذلك كره أربعاء لا ... أقول: فكره الناس يوم الأربعاء مطلقاً مع أنه يوم شريف خلق الله فيه النور أو النور وقلت اشتهر بين الناس بالثقل النار أو النور حتى أن بعضهم لا يفعل فيه شيئاً)).