مجمع البحرين وجواهر الحبرين

كتاب الجنائز

23- كتاب الجنائز
هي بفتح الجيم من جنز إذا ستر جمع جنازة بفتح الجيم وكسرها
1- باب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله... إلى آخره
ثم ذكر حديث أبي ذر: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني آت من ربي عز وجل...)) الحديث.
وحديث شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات يشرك بالله دخل النار))..الحديث.
ترجمة الباب بعض من حديث صحيح أخرجه (د) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وقول وهب وقع في حديث مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البيهقي من حديث معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه إلى اليمن: ((إنك ستأتي أهل كتاب فيسألونك عن مفتاح الجنة، فقل شهادة أن لا إله إلا الله، ولكن مفتاح بلا أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك)).
وفي ((سيرة ابن إسحاق)): لما أرسل العلاء بن الحضرمي: ((إذا سئل عن مفتاح الجنة، فقل: مفتاحها لا إله إلا الله)).
وفي ((مسند أبي داود الطيالسي)) عن جابر مرفوعاً: ((مفتاح الجنة الصلاة)). وذكر أبو نعيم في كتابه ((أحوال الموحدين الموقنين)) أن أسنان هذا المفتاح هي الطاعات الواجبة من القيام بطاعة الله تعالى وتأديتها، والمفارقة للمعاصي ومجانبتها.
وكذا قال ابن بطال: أراد بالأسنان القواعد التي بني الإسلام عليها التي هي كمال الإيمان ودعائمه خلاف قول الغالية من المرجئة والجهمية الذين يقولون: إن الفرائض ليست إيماناً، وقد سماها الله تعالى إيماناً بقوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة:143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
وقال الداودي: قول وهب بمعنى التشديد، ولعله لم يبلغه حديث أبي ذر، وحديث عتبان، وحديث معاذ فيتأمل المعنى: ومن قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه فهو مفتاح له أسنان، إلا أنه إن خلط ذلك بالكبائر حتى مات مصراً عليها لم تكن أسنانه بالتامة، فربما طال علاجه، وربما يسر له الفتح بفضله.
وروى عبد الصمد بن معقل قال: كان وهب بن منبه جالساً في مجلس ابن عباس فسئل: أليس تقول: إن مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال بلى وجدت في التوراة: ولكن اتخذوا لها أسنانا، فسمع ذلك ابن عباس فقال: أسنانه والله عندي: أولها: شهادة أن لا إله إلا الله، وهو المفتاح. والثاني: الصلاة، وهو القنطرة. والثالث: الزكاة، وهي الطهور. والرابع: الصوم، وهو الجنة. والخامس: الحج وهو الشريعة. والسادس: الجهاد. والسابع: الأمر بالمعروف، وهو الألفة. والثامن: الطاعة وهي العصمة. والتاسع: الغسل من الجنابة وهي السريرة.
وقد خاب من لا سن له، هذا والله أسنانها. وحديث أبي ذر أخرجه (م، ت، ت) ويأتي في التوحيد واللباس.
والمراد بالآتي جبريل عليه السلام كما أخرجه (ت) مصححاً، وحديث عبد الله أخرجه (خ) ص1300 في مواضع أخر بلفظ.
قال رسول الله كلمة وقلت أخرى. قال: ((من مات يجعل لله ندا دخل النار)) وقلت: من مات لا يجعل لله نداً دخل الجنة. وفي رواية وكيع وابن نمير لمسلم بالعكس: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)) وقلت أنا: من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار.
وفيه رد على من قال: إن ابن مسعود سمع أحد الحكمين، فرواه وضم إليه الحكم الآخر قياساً على القواعد الشرعية.
والظاهر أنه نسي مرة وهي الأولى وحفظ مرة وهي الأخرى فرواهما مرفوعين كغيره من الصحابة. والإجماع قائم على أن من مات على ذلك دخل الجنة لكن بعد الفصل بين العباد، ورد المظالم إلى أهلها، فيزحزح عنها ويباعد ويعجل له الدخول، أو يصيبه سفع من النار بكبائر ارتكبها.
وفيه: رد على الرافضة والإباضية وأكثر الخوارج في قولهم: إن أصحاب الكبائر والمذنبين من المؤمنين يخلدون في النار بذنوبهم، والقرآن ناطق بتكذيبهم قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك} الآية [النساء:48]. وقول ابن مسعود السالف أصل في القول بدليل الخطاب وإثبات القياس.
وقول أبي ذر: وإن زنى وإن سرق؟ إنما ذكره لأنه عليه السلام قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) وما في معناه، فوضح له عليه السلام إن وقع ذلك منه.
قال والدي رحمه الله تعالى:
((الجنائز)) جمع الجنازة بفتح الجيم وكسرها ويقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش وعليه الميت ويقال بالعكس وهي من جنز إذا ستر.
قوله: ((لا إله إلا الله)) أي: هذه الكلمة والمراد هي وضميمتها محمد رسول الله.
قوله: ((فتح)) أي: باب الجنة فإن قلت: لما أثبت أولا أن كل مفتاح ذو أسنان فكيف قسم ثانيا بما له الأسنان وما ليس له قلت: المراد من الأول المفتاح الذي يترتب عليه المقصود أي: ما هو مفتاح بالفعل ومن المقسم أعم منه وهو ما من شأنه ذلك أي ما هو مفتاح بالقوة.
فإن قلت: عاصي الأمة يدخل الجنة قطعاً ولو بعد خروجه من النار فكيف قال وإلا لم يفتح له؟ قلت: مقصوده لم يفتح أول الأمر.
فإن قلت: هذا أيضاً غير مجزوم به لاحتمال العفو. قلت: لا شك أن ذلك جائز عندنا معلق بمشيئة الله تعالى لكن الأعمال علامات ودلائل ونحن نحكم بحسب ذلك.
قال ابن بطال: الأسنان القواعد التي بني الإسلام عليها.
قوله: ((آت)) أي: جبريل ((وإن سرق وإن زنى)) حرف الاستفهام فيه مقدر، وتقديره أدخل الجنة وإن سرق وإن زنى والشرط حال.
فإن قلت: ليس في الجواب استفهام فيلزم منه أن من لم يسرق ولم يزن لم يدخله الجنة إذ انتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط.
قلت: هو من باب نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه والحكم في المسكوت عنه ثابت بالطريق الأولى.
وفيه: دليل على أن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان فإن غير المؤمن لا يدخل الجنة وأن أربابها من المؤمنين لا يخلدون في النار وإنما ذكر من الكبائر نوعين لأن الذنب إما حق الله وأشار بالزنا إليه، وإما حق العباد وأشار بالسرقة إليه قال بعض العلماء إنه كان قبل نزول الفرائض والأوامر والنواهي.
وقال (خ): إن ذلك لمن كان على الندم والتوبة ومات عليه.
فإن قلت: من أين علم ابن مسعود هذا الحكم قلت: من حيث انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبب فإذا انتفى الشرك انتفى دخول النار وإذا انتفى دخول النار يلزم دخول ص1301 الجنة إذ لا ثالث لهما أو ما قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الآية.
الزركشي:
((أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة)) بنصب مفتاح على الخبر ورفعه على الابتداء لأن كلا منهما معرفة.