مجمع البحرين وجواهر الحبرين

أبواب سجود القرآن

17- باب ما جاء في سجود القرآن وسنتها
فيه حديث عبد الله قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم.. الحديث.
هذا الحديث يأتي قريباً، وفي التفسير، وفي السير والمغازي. وأخرجه (د، م، ت). واختلف في سجود التلاوة؛ فجمهور العلماء على أنه سنة وليس بواجب، وهو قول عمر، وسلمان، وابن عباس، وعمران بن الحصين، وهو مذهب مالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وعند المالكية خلاف في كونه سنة أو فضيلة.
وقال أبو حنيفة: هو واجب على القارئ والمستمع، واستدل بقوله تعالى: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} [الانشقاق:21] وبغيره من الآيات والأحاديث.
والذم لا يتعلق إلا بترك الواجب، وبالأمر في الباقي، وهو للوجوب، واحتج الجمهور بالأحاديث التي ليس فيها فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وبحديث عمر الآتي: إن الله لم يكتب علينا السجود إلا أن نشاء؛ وهذا ينفي الوجوب، والصحابة حاضرون ولا منكر.
ثم اختلف في سجود النجم اختلافهم في سجود المفصل. فروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة أنهم كانوا يسجدون فيها والمفصل، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن وهب، وابن حبيب من أصحاب مالك.
واحتجوا بهذا الحديث. وقالت طائفة: لا سجود في النجم ولا في المفصل، روي ذلك عن عمر وأبي بن كعب، وابن عباس، وأنس، وعن سعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، وعطاء، ومجاهد.
وقال يحيى بن سعيد: أدركت القراء لا يسجدون في شيء من المفصل، وهو قول مالك. واحتج لمن لم يره بحديث زيد بن ثابت الآتي في (خ) أنه عليه السلام لم يسجد فيها، واحتج الطبري للأولين فقال: يمكن أن يكون عليه السلام لم يسجد فيها لأن زيداً لم يسجد فيها فترك تبعاً له وقد ورد كذلك ويمكن أن يكون تركه لبيان الجواز.
قال الطحاوي: ويمكن أن يكون قرأها في وقت النهي، أو لأنه كان على غير وضوء. وقيل: بيان جواز تأخيرها، أنها ليست بواجبة على الفور. وقال الطحاوي: النظر على هذا أن يكون كل موضع اختلف فيه، هل هو سجود أم لا؟ أن ينظر فيه، فإن كان موضع أمر فإنما هو تعليم فلا سجود فيه، وكل موضع فيه خبر عن السجود فهو موضع سجود التلاوة.
قال المهلب: يمكن أن يكون اختيار من اختار من العلماء ترك السجود في والنجم والمفصل خشية أن يخلط على الناس صلاتهم، لأن المفصل هو الذي يقرأ في الصلوات.
وقد أشار مالك إلى هذا. قلت: لكن في (د) و(ق) من حديث عمرو بن العاصي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل. وأما حديث ابن عباس أنه عليه السلام لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة فأخرجه (د)، وإسناده ضعيف.
قال ابن التين: وابن عباس لم ص1180 يشهد جميع إقامته صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وإنما قدم سنة ثمان بعد الفتح. قال: ويحتمل أن يجتزئ بسجود الركعة؛ لأن سجود المفصل آخر السور. وقد قال ابن حبيب: القارئ خير بين أن يسجد أو يركع ويسجد.
قوله: ((وسجد معه المسلمون والمشركون)) أي: من كان حاضراً، قاله ابن عباس؛ قال القاضي: سبب سجودهم ما قاله ابن مسعود أنه أول سجدة نزلت، وأما ما يرويه الإخباريون أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم. فباطل لا يصح فيه شيء لا من جهة النقل ولا العقل؛ لأن مدح إله غير الله كفر ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك.
قوله: ((غير شيخ أخذ كفاً من تراب)) هذا الشيخ: هو أمية بن خلف كما ذكره (خ) في تفسير سورة النجم. وقال ابن سعد: إنه الوليد بن المغيرة. قال: وقال بعضهم: أبو أحيحة، وقال بعضهم: كلاهما جميعاً فعل ذلك. قال محمد بن عمر: وكان ذلك في شهر رمضان سنة خمس من المبعث.
وحكى المنذري فيه أقوالاً: الوليد بن المغيرة، عتبة بن ربيعة، أبو أحيحة، سعيد بن العاص. قال: وما ذكره (خ) أصح، وقتل يوم بدر كافراً.
وفيه: أن الركوع لا يقوم مقام سجود التلاوة. وقيل بالإجزاء. وفيه: أن من خالف الشارع استهزاء به فقد كفر، قال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} الآية [النور:63].
وقد اختلف في عدد سجود التلاوة على أقوال:
أصحها: أربع عشرة سجدة: في آخر الأعراف، وفي الرعد، والنحل، وبني إسرائيل، وثنتان في الحج، وفي الفرقان، والنمل، و((الم* تنزيل))، و((حم السجدة))، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ. وهو أصح قولي الشافعي وأحمد.
2: أربع عشرة بإسقاط ثانية الحج، وإثبات ص وهو مذهب أبي حنيفة، وداود، وابن حزم.
3: إحدى عشرة بإسقاط سجدات المفصل، وسجدة آخر الحج. وهو مشهور مذهب مالك، وروي عن ابن عمر، وعن ابن عباس.
4: خمس عشرة، وهي المذكورات ثانياً وإثبات آخر الحج، وهو قول المدنيين عن مالك. وهو مذهب عمر، وابنه عبد الله، والليث، وإسحاق، ورواية عن أحمد، وابن المنذر، واختاره المروزي وابن سريج الشافعيان.
5: أربع عشرة، أسقط منها {والنجم}، وهو قول أبي ثور.
6: ثنتا عشرة سجدة، وهو قول مسروق فيما حكاه ابن أبي شيبة، أسقط ثانية الحج، و{ص}، والانشقاق.
7: ثلاث عشرة، أسقط ثانية الحج، والانشقاق، وهو قول عطاء الخراساني.
8: عزائم السجود خمس: الأعراف، وبنو إسرائيل، والنجم، والانشقاق، واقرأ، وهو مروي عن ابن مسعود.
9: عزائمه أربع: {الم تنزيل}، وحم السجدة، والنجم، و{اقرأ}، وهو مروي عن علي.
10: ثلاث: {الم تنزيل}، والنجم، و{اقرأ}.
11: عشر، قاله عطاء.
12: روى ابن أبي شيبة بسنده ص1181 عن عبيد بن عمير قال: عزائم السجود: {الم تنزيل} و{حم تنزيل} والأعراف، وبنو إسرائيل. قلت: ومواضعها معروفة، واختلف عندنا في ثلاثة مواضع، والمالكية في موضعين آخرين، فصارت خمسة.
وقال ابن حزم: ليس السجود فرضاً، ولكنه فضل، ويسجد لها في الفرض والتطوع وفي غير الصلاة في كل وقت، وفي وقت النهي، إلى القبلة، وإلى غير القبلة، وعلى طهارة، وعلى غير طهارة. قلت: نعوذ بالله من استدبار القبلة. انتهى كلام ابن الملقن رحمه الله تعالى.
أقول: ومواضع السجدات في القرآن الشريف:
أولها: في آخر الأعراف لسجود {يسبحونه وله يسجدون}.
2: في سورة الرعد قوله {وظلالهم بالغدو والآصال}.
3: في النحل عند قوله {يخافون ربهم} من قولهم {ويفعلون ما يؤمرون}.
4: في الإسراء عند قوله تعالى: {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً}.
5: في مريم عند قوله تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً}.
6- 7: في سورة الحج:
الأولى: عند قوله تعالى: {ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء}.
الثانية: وهي محل الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة عند قوله: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}.
8: في الفرقان عند قوله تعالى: {إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً}.
9: في النمل عند قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم}.
10: في تنزيل السجدة عند قوله تعالى: {وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون}.
11: في حم السجدة وتسمى سورة فصلت عند قوله تعالى: {يسبحون له بالليل وهم لا يسأمون}.
12: في النجم عند قوله تعالى: {فاسجدوا لله واعبدوا}.
13: في الانشقاق عند قوله تعالى: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون}.
14: سورة اقرأ عند قوله تعالى: {كلا لا تطعه واسجد واقترب} وأبو حنيفة يسجد في ص عند قوله تعالى: {فخر راكعاً وأناب} عوضاً عن الثانية في الحج.
أقول: وقال النووي في شرح (م) واختلف في سجدة حم فقال مالك وطائفة من السلف وبعض أصحابنا في عقب قوله تعالى: {إن كنتم إياه تعبدون} وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور عقب قوله {وهم لا يسأمون}.