مجمع البحرين وجواهر الحبرين

كتاب الزكاة

24- كتاب الزكاة
1- باب وجوب الزكاة
فيه حديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن.. الحديث.
وحديث أبي أيوب: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرني بعمل..الحديث.
وحديث أبي هريرة وفيه ((وتؤدي الزكاة المفروضة)).
وحديث ابن عباس قدم وفد عبد القيس الحديث.
وحديث أبي هريرة لما توفي رسول الله وأمر من آخر الحديث الزكاة في اللغة النماء والتطهير وإن كان في الظاهر قد ينقص وحديث ابن عباس الأول سلف مسنداً في أول الباب وغيره وحديثه الثاني أخرجه (م) والأربعة وسيأتي في مواضع من الكتاب.
وفي ((الإكليل)) للحاكم أن بعثه وبعث أبي موسى كان عند انصرافه من تبوك سنة تسع، وفي ((الطبقات)) مثله، وأنه في ربيع الآخر. وزعم ابن الحذاء أن هذا كان في هذا الشهر سنة عشر.
وقدم في خلافة أبي بكر في الحجة التي حج فيها عمر، وقال العسكري: وكان قسم اليمن على خمسة: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وزياد بن لبيد على حضرموت، ومعاذ على الجند، وأبي موسى على زبيد وعدن والساحل.
وحديث أبي أيوب أخرجه (خ) في موضع آخر بلفظ: عرض له في سفر. وفي آخره: دع الناقة.
قال الدارقطني: يقال: إن شعبة وهم في اسم ابن عثمان بن موهب فسماه محمداً، وإنما هو عمرو بن عثمان، والحديث محفوظ عنه، حدث به عنه يحيى القطان ومحمد بن عبيد وجماعات عن عمرو بن عثمان.
وقال الكلاباذي، والجياني، وغيرهما: هو مما عد على شعبة أنه وهم فيه.
وحديث أبي هريرة قال (خ) في آخره: ثنا مسدد .. إلى أن قال: حدثني أبو زرعة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، كذا هو ثابت في النسخ.
وهذا الأعرابي هو سعد كما قال ابن الأثير. وفي الطبراني من حديث المغيرة بن سعيد بن الأخرم، عن عمه أنه شاك. وحديث ابن عباس سلف في الإيمان.
وحديث أبي هريرة الأخير فيه هنا: عناقا، وفي موضع آخر: عقالاً، والزكاة فرض بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهي الركن الثالث من الأركان الخمس في الحديث: ((بني الإسلام على خمس)) وهي دعائمه وقواعده لا يتم إسلام من جحد واحداً منها، ألا ترى فهم الصديق لهذا المعنى.
وقوله: ((والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)) وقام الإجماع على أن جاحده كافر، فإن أبى منها أخذت قهراً وغرر، وإن نصرت الحرب دونها قوتل اقتداء بالصديق في أهل الردة.
وكانت الردة أنواعاً: قوم ارتدوا على ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، وقوم آمنوا بمسيلمة، وهم أهل اليمامة، وطائفة منعوا الزكاة وقالوا: ما رجعنا عن ديننا ولكن شححنا على أموالنا، فرأى الصديق قتال الجميع، ووافقه جميع الصحابة بعد أن خالفه ص1410 عمر في ذلك، ثم بان له صواب قوله، فرجع إليه، فسبى الصديق نساءهم وأموالهم، اجتهاداً منه.
فلما ولي عمر بعده رأى أن يرد ذراريهم ونساءهم إلى عشائرهم، وفداهم وأطلق سبيلهم، وذلك بمحضر الصحابة من غير نكير. وقال بعضهم: حكم أبو بكر في أهل الردة بالسبي وأخذ المال، وجعلهم كالناقضين. وحكم فيهم عمر بحكم المرتدين، ورد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فله حكم الإسلام، إلا من تمادى بعد بلوغه
وفي الآية التي ذكرها (خ) دليلان على الوجوب:
أحدهما: أنه أمر بإتيانها، والأمر للوجوب.
2: أنه قرنها بالصلاة وهي الركن الثاني فاقتضى التساوي. ولم يذكر الحج والصيام.
قال ابن التين: ولعل ذلك قبل نزول فرضهما. قلت: هذا غلط؛ فإن بعثه كان في السنة التاسعة أو العاشرة وفرضهما قبل. فالجواب أنه اقتصر على الثلاثة؛ لتأكدها في ذلك الوقت.
وفيه: قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به، لكن أبو موسى كان معه.
وفيه: أنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وإنما بدأ في المطالبة بهما؛ لأنهما أصل لا يصح شيء من فروعه إلا به، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق، كالنصراني فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين.
وأما اليهود فبالجمع بين ما أقر به من التوحيد والإقرار بالرسالة، وأهل اليمن كانوا يهوداً؛ لأن ابن إسحاق ذكر أن تبعاً تهود وتبعه على ذلك قومه فأعلمه.
ونبهه عليه السلام على أنهم أهل كتاب لكثرة حججهم، وأنهم ليسوا كجهال الأعراب.
قوله: ((افترض عليهم خمس صلوات)) فيه: دلالة على أن الوتر ليس بفرض، وهو ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش فيه فقد غلط. وطاعتهم بالصلاة تحتمل وجهين: أحدهما: الإقرار بوجوبها. والثاني: الطاعة بفعلها. والأول أرجح؛ لأن المذكور في الحديث هو الإخبار بالفرضية. ويترجح الثاني بأن الإمساك كاف.
وفي إسناده ضعف، وفي (ت): ((إن في المال حق سوى الزكاة)) وقال: ليس إسناده بذاك. وفي ((تفسير الفلاس)) من حديث أبي العالية كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة ثم يسرفون، فأنزل الله: {ولا تسرفوا} [الأنعام:146].
ومن حديث محمد بن كعب في قوله تعالى: {وآتوا حقه} [الأنعام:141]. قال: في قل منه أو كثر. ومن حديث جعفر بن محمد، عن أبيه {وآتوا حقه} قال: شيء سوى الحق الواجب.
وروى أبو جعفر النحاس عن أبي سعيد مرفوعاً: ((ما سقط من السنبل)) قال: وقد روي وصح عن علي بن حسين، وهو قول عطية، وأبي عبيد. واحتج بحديث النهي عن حصاد الليل.
قوله: ((تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) استدل به بعضهم على الصرف لأحد الأصناف الثمانية خلافاً للشافعي، وأن الزكاة لا تنتقل عن موضعها، وبه قال مالك والشافعي، وعن مالك الجواز، وهو قول أبي حنيفة.
ومنع أحمد في مسافة القصر. ويدخل في عموم ذلك الطفل والمجنون، وبه قال مالك، والشافعي، وخالف أبو حنيفة. وقال الأوزاعي: في ماله الزكاة غير أن الولي يحصيه، فإذا بلغ أعلمه؛ ليزكي عن نفسه.
وقال الحسن وابن سيرين: لا زكاة في ماله إلا في زرع أو ضرع. وقد أفردت المسألة بالتأليف.
وفيه: أن الزكاة تدفع للمسلمين؛ خلافاً لأبي حنيفة.
قوله: ((أخبرني بعمل يدخلني الجنة)) يريد ما افترض عليه. قاله ابن التين ص1411 ويجوز أن يكون أعم.
قوله: ((ما له؟ ما له؟)) كأنه استعظم سؤاله؛ لأن الأعمال كثيرة.
قوله: ((فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرب ماله؟)) قال صاحب ((المطالع)): يروى ((أرب)) على أنه اسم فاعل مثل حذر. ورواه بعضهم بفتح الراء أي: وضم الباء منونة، وبعضهم بفتح الباء أيضاً. ومن كسر الراء جعله فعلاً بمعنى احتاج وسأل عن حاجته، وقد يكون بمعنى يعطى لما سأله عنه فقال: أرب إذا عقل. وقيل معناه: سأل عما يعنيه. وقيل: تعجب من حرصه، ومعناه: لله دره، أي: فعل فعل العقلاء في سؤاله عما جهل. وقيل: هو دعاء عليه، أي: يتعطل آرابه، وهي أعضاؤه على عادة العرب كعقرى حلقى، من غير قصد لوقوعه.
ومن قال أرب معناه: حاجة به، وتكون ما زائدة، وفي سائر الوجوه استفهامية. ولا وجه لقول أبي ذر: أرب. وفسر ابن قتيبة أرب بكسر الراء وفتح الباء بأنه من الآراب مأخوذ، أي: الأعضاء. وجاء في رواية: ((أرب ما جاء به؟)) وإنما أنكر قوله ((ما له))؛ لحبسه زمام ناقته، أو غير ذلك مما فعله.
وفسر الطبري قوله: ((أرب ما جاء به؟)) وقال: معناه: لحاجة ما جاءت به، والإرب: الحاجة.
و((ما)) التي في قوله: ((ما جاء به)) صلة في الكلام، لقوله تعالى: {فبما نقضهم} [النساء:155] والمعنى: أرب جاء به.
قال ابن بطال: وعلى هذا التقرير تكون ما في الحديث زائدة، كأنه قال: أرب له. وهو أحسن من قول ابن قتيبة، والمراد: له حاجة مهمة جاءت به، وإلا فسؤاله دال أن له حاجة.
قوله: ((تعبد الله ...)) إلى آخره؛ لم يذكر الحج والصوم.
وفيه ما تقدم في حديث معاذ، ولم يذكر الجهاد؛ لأنه ليس بفرض على الأعراب. ذكره الداودي. ولم يذكر لهم التطوع؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفي بالواجب تخفيفاً؛ ولئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدرهم لها فيسهل الأمر.
وذكر صلة الرحم لحاجة السائل إليه، وذكر في حديث أبي هريرة زيادة الصوم، ويجوز أن السائل فيه هو السائل في حديث أبي أيوب، فإن يكنه فقد عرف اسمه فيما مضى؛ وقيد فيه الزكاة بالمفروضة؛ وقد وفق ما بذلك في قوله: ((فيما مضى فريضة الصدقة)) كما ستعلمه.
قوله: ((لا أزيد على هذا)) أي: من الفرائض أو أكتفي به عن النوافل.
ويجوز أن يكون أراد: لا أزيد على ما سمعت منك في أدائي لقومي، لأنه وافدهم، وهو لائح.
وقوله: في حديث ابن عباس: ((وشهادة أن لا إله إلا الله)) أي: ومحمد رسول الله ولم يذكر فيه الصيام. وفيه ما سلف، وزاد فيه: ((أداء خمس المغنم)).
قوله: ((وعقد بيده هكذا)) قال الداودي: جعل ذلك مثلاً للعقد والعهد الذي أخذ الله على عباده في الإسلام، والعناق بفتح العين: الأنثى من ولد المعز ما دون الحول. وقيل عن أهل اللغة: إنها إذا أتى عليها أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وقوي على الرعي فهو جدي. والأنثى عناق، حكاه ابن بطال، وابن التين.
وقال الداودي: هي الأنثى من المعز الجذعة قاربت أن تلد أو حملت ولم تضع بعد، أو عند وضعها.
والمعروف أن العناق: جذعة. والجذعة لا تحمل، إنما تحمل الثنية فأعلمه. والعقال: صدقة عام، أو الحبل الذي يعقل به البعير قولان، وذكر ذلك على التقليل؛ لأن العناق لا يؤخذ في الصدقة عند أكثر أهل العلم، ولو كانت عناقا كلهاً.
والجديد عندنا أن في البقية وصغير. وبه قال أحمد، ومالك وأبو يوسف وزفر. وروى ابن وهب، عن مالك أن العقال: الفريضة من الإبل.
قال الخطابي: خولف أبو عبيد في هذا التفسير، وذهب غير واحد من العلماء إلى أنه ضرب مثل بالقلة لقوله: لا أعطيك ولا درهماً؛ وليس بسائغ في كلامهم أنه صدقة عام، وأيضاً فإنها منعت مطلقاً. وهم كانوا يتأولون أنهم كانوا مأمورين بدفعها إلى الشارع دون القائم بعده. وقيل: إنه كل ما أخذ من الأصناف من نعم وحب. وقيل: أن يأخذ عين الواجب لا الثمن.
وفي رواية لابن الأعرابي: والله ص1412 لو منعوني جدياً أدوط. قال: والأدوط: الصغير الفك والذقن.
وقال الخطابي في قصة أبي بكر: هذا حديث مشكل لاختصاره في هذه الرواية، وقد تعلق به الروافض. وقالوا: فيه تناقض، أخبر في أوله بكفر من كفر من العرب، وفي أثنائه: ((لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)).
وهذا يوجب كونهم ثابتين على الدين، وزعموا أن عمر وافقه على الحرب تقليداً، وكيف استجاز قتلهم، وسبي ذراريهم إن كانوا مسلمين، وإن كانوا مرتدين فكيف تعلق بالفرق بين الصلاة والزكاة[1]، ثم زعموا أن القوم تأولوا: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة:103] أنها خصوص للشارع لم يؤمر بأخذها أحد غيره، فإن صلاته سكنا وتطهيراً.
وقال شاعرهم وهو الحطيئة:
~أطعنا رسول الله ما دام بيننا فيا عجبا ما بال منا لو أبي بكر
~أيورثها بكراً إذا مات بعده وتلك لعمر الله قاصمة الظهر
ونحن نبين ذلك فنقول: روايات أبي هريرة مختصرة إلا رواية سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أمرت أن أقاتل الناس .. )) الحديث.
وفيه: ((ثم حرمت علي دماؤهم وأموالهم)).
و((كثير)) هذا هو ابن عبيد مولى أبي هريرة، أدخله ابن خزيمة في ((صحيحه)). ووافقه أبي عمر وأنس من طرق صحاح أن الزكاة كانت شرطاً لحقن الدماء، فثبت أن أبا بكر قاتلهم بالنص لا بالاجتهاد الذي جرى في خبر عبيد الله في (خ)، عن أبي هريرة.
يشبه أن يكون ما ذكره على سبيل الاستظهار في المناظرة بالترجيح. وفي هذا سقوط جميع ما أورده الروافض.
واستولد علي بن أبي طالب جارية من سبي بني حنيفة[2]، وولدت له محمداً الذي يدعى ابن الحنفية، ولم ينقرض العصر حتى رأوا خلافه. واتفقوا على أن المرتد لا يسبى. وهذا مذهب أصبغ وجماعة العلماء على ما حكم به عمر أنهم كالمرتدين، وذلك أن عمر رد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد، إلا من تمادى بعد بلوغه.
وقال موسى بن عقبة: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع عامة العرب عن دينهم: أهل اليمن، وعامة أهل المشرق، وغطفان، وبنو أسد، وبنو عامر، وأشجع. ومسكت طيء بالإسلام.
وقال سيف أن ((الردة)) عن فيروز الديلمي: أول ردة كانت باليمن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على يدي ذي الخمار عبد الله بن كعب وهو الأسود العنسي. وعن عروة: لم يبق من العرب أحد إلا ارتد ما خلا أهل مكة، والطائف، والقبائل التي أجابت النبي عام الحديبية ممن حول مكة، وراب عبد القيس وحضرموت بعد الريب، وحسن بلاؤهم واستقاموا.
وأما قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة:103] فلا شك أن الخطاب على أنحاء: عام: لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة:6] وخاص: كقوله تعالى: {نافلة لك} [الإسراء:79]، و{خالصة لك} [الأحزاب:50]. ومواجهة له صلى الله عليه وسلم ، وهو والأمة فيه سواء كقوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء:78]، {وإذا قرأت القرآن فاستعذ} [النحل:98]، و{خذ من أموالهم } [التوبة:103]. فالفائدة في مواجهته في هذا الخطاب أنه هو الداعي إلى الله، والمبين عنه معنى ما أراد، فقدم اسمه في الخطاب؛ ليكون سلوك الأمة في الشرائع على حسب ما بينه لهم.
وعلى هذا قوله تعالى: ص1413 {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1]، فافتتح الخطاب بالنبوة، ثم خاطب أمته بالحكم عموماً، وربما كان الخطاب له والمراد غيره.
وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة فباق غير منقطع، ويستحب للإمام والعامل الدعاء للمتصدق بالنماء والبركة في ماله.
قوله: ((فرق)) هو بتخفيف الراء وتشديدها.
وفيه:: أخذ الصغار من الصغار، وقد سلف.
وفيه: دليل أن حول النتاج حول الأمهات.
وفيه: أن الردة لا تسقط عن المرتد الزكاة إذا وجبت في ماله.
قوله: ((وحسابه على الله)) أي: فيما يستره دون الظاهر من أمره.
وفيه: قبول توبة المرتد، وهو قول أكثر العلماء. وذكر عن مالك: لا تقبل توبة المستتر بكفره.
قوله: ((فعرفت أنه الحق)) دال على أن عمر لم يرجع إلى أبي بكر تقليداً.
قال والدي رحمه الله تعالى:
الزكاة في اللغة النماء والتطهير والمال ينمي بها من حيث لا يرى وهي مطهرة لمؤديها من الذنوب، وقيل: ينمي أجرها عند الله وهي من الأسماء المشتركة بين العين والمعنى لأنها قد تطلق أيضاً على القدر المخرج من النصاب للمستحق، وسميت صدقة لأنها دليل لتصديق صاحبها وصحة أيمانه ظاهراً وباطناً والغرض من إيجاب الزكاة مواساة الفقراء والمواساة لا تكون إلا في مال له بال، وهو النصاب ثم جعلها الشارع في الأموال النامية من المعدنيات والنبات والحيوان.
أما المعدني ففي جوهري الثمينة وهو الذهب والفضة، وأما النباتي ففي القوت، وأما الحيواني[3] ففي النعم ورتب مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب وأقلها تعبا وهو الركاز أكبرها واجباً.
وفيه الخمس ويليه النبات فإن سقى بالسماء ونحوه ففيه العشر وإلا فنصفه ويليه النقد وفيه ربع العشر ثم الماشية.
قوله: ((حديث النبي صلى الله عليه وسلم)) أي: على الوجه الذي تقدم في قصة هرقل مع تعريف صلة الرحم وتعريف العفاف ونحوه من الفوائد الشريفة.
قوله: ((فأعلمهم)) من الأعلام.
فإن قلت: توقيف الصلاة على الكلمة ظاهر لأن الصلاة لا تصح إلا بعد الإسلام فما وجه توقيف الصلاة على الزكاة، والحال أنهما سواء في كونهما ركنين من أركان الإسلام فرعان من فروع الدين.
فإن قلت: قال الخطابي: أخر ذكر الصدقة لأنها إنما تجب على قوم من الناس دون آخرين، وإنما تلزم بمعنى الحول على المال قال وفيه أن صدقة بلد لا تنقل إلى بلد آخر، وإنما تفرق إلى فقراء البلد الذي به المال وأن الطفل إذا كان غنياً وجب الزكاة في ماله كما إذا كان فقيرا جاز له أخذها وأنه لا يعطي غير المسلم شيئاً من الصدقة، وقد يستدل به من لا يرى على المديون زكاة ما في يده إذا لم يفضل عن الدين الذي عليه قدر نصاب لأنه ليس بغني إذا كان مستحقاً عليه إخراج ماله إلى غريمه.
قوله: ((فقرائهم)) فإن قلت: مصارف الزكاة غير منحصرة فيهم فما الفائدة في تخصيص ذكرهم[4] قلت: إما للمطابقة بينه وبين الأغنياء وإما لأن الغالب فيهم هم الفقراء.
فإن قلت: لم ما ذكر الصوم والحج وهما أيضاً ركنا الإسلام؟ قلت: اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر ولهذا كرر في القرآن ذكرهما كثيراً، ولهذا إذا وجب أداؤهما على المكلف لا يسقطان عنه أصلاً بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية والحج فإن الغير قد يقوم مقامه للزمانة أو لأنه حينئذٍ لم يشرع وجوبه.
قوله: ((ماله)) قال ابن بطال: هو استفهام وتكرار الكلمة للتأكيد و((أرب)) بفتح الراء وتنوين الموحدة معناه الحاجة ص1414 وهو مبتدأ خبره محذوف استفهم أولاً ثم رجع إلى نفسه فقال له أرب، ورواه بعضهم بكسر الراء وفتح الباء وظاهره الدعاء، والمعنى التعجب من حرص السائل.
قال النضر بن شميل: يقال أرب الرجل في الأمر إذا بلغ فيه جهده، وقال ابن الأنباري: معناه سقطت آرابه أي: أعضاؤه ومفرده الأرب فقيل: هذه كلمة لا يراد بها وقوع الأمر كما تقول تربت يداك وإنما تستعمل عند التعجب وقيل: لما رأي الرجل يزاحم دعا عليه دعاء لا يستجاب في المدعو عليه.
قال الأصمعي: أرب في الشيء إذا صار ماهراً فيه فيكون المعنى التعجب من حسن فطنته والتهدي إلى موضع حاجته، وأما ما رواه بعضهم بكسر الراء وتنوين الباء، ومعناه هو أرب أي حاذق فطن فليس بمحفوظ عند أهل الحديث وفي رواية قال الناس ماله ماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرب ماله وماصلة أي: حاجة ما أو أمر ماله.
قوله: ((يصل الرحم)) صلة الرحم هي مشاركة ذوي القرابة في الخيرات فإن قلت: لم خصص هذا الأمر من بين سائر واجبات الدين قلت: نظراً إلى حال السائل كأنه كان قطاعاً للرحم مبيحاً لذلك فأمره به لأنه المهم بالنسبة إليه.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) أي: (خ) ((أخشى أن يكون محمد)) بن عثمان ((غير محفوظ)) لشعبة إذا الصواب هو عمرو بن عثمان. قال الكلاباذي: روى شعبة عن عمرو بن عثمان ووهم في اسمه فقال محمد بن عثمان في أول الزكاة، قال الغساني هذا مما عد على شعبة أنه وهم فيه حيث قال محمد بدل عمرو، وقد ذكر (خ) هذا الحديث من رواية شعبة في كتاب الأدب فقال ثنا عبد الرحمن ثنا بهز ثنا شعبة ثنا ابن عثمان بن عبد الله غير مسمى ليكون أقرب إلى الصواب وقد خرجه (م) في مسنده عن عمرو بن عثمان عن موسى بن طلحة عن أيوب.
قوله: ((المكتوبة)) هو اقتباس من قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} وأما تقييد الزكاة بالمفروضة فقد تقدم.
قوله: ((فلما ولى)) أي: أدبر فإن قلت: فقد زاد المبشرون بالجنة على العشرة لأنه صلى الله عليه وسلم نص على أنه من أهل الجنة قلت: النص قد ورد في حق كثير مثل الحسن والحسين وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فالمراد من العشرة الذين جاء فيهم لفظ البشارة بالجنة كبشره بالجنة أو الذين بشروا بها دفعة واحدة مع أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد.
قوله: أخبرني أبو زرعة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الطريق مرسل لأن أبا زرعة تابعي لا صحابي فليس له أن يقول عن إلا بطريق الإرسال.
قوله: ((إن هذا الحي)) وفي بعضها: ((أنا هذا الحي)) منصوب على الاختصاص أي: أعني هذا الحي.
فإن قلت: لم ترك ذكر الصيام وقد ذكره ثمة؟ قلت: قال القاضي عياض وغيره: أما عدم ذكر الصوم في هذه الرواية فهو إغفال من الراوي وليس من الاختلاف الصادر عن رسول الله بل من اختلاف الرواية الصادر عن تفاوتهم في الضبط.
قوله: ((سفيان)) أي: ابن حرب و((أبو النعمان)) رويا شهادة بدون الواو.
فإن قلت: ما وجهه على تقدير الواو؟ قلت: إما أنه عطف تفسيري للإيمان، وإما أن الإيمان ذكر تمهيداً للأربعة لأنه هو الأصل لها سيما والوفد كانوا مؤمنين عند السؤال فابتداء الأربعة من الشهادة والإيمان واحد والشهادة آخر منها، وأما لزوم كون المأمور بها خمساً لا أربعاً فقد مر الأجوبة عنها في كتاب الأيمان.
قال ابن بطال: الواو في الرواية الأولى كالمقحمة يقال فلان حسن وجميل أي حسن جميل و((عبد القيس)) قبيلة وربيعة بطن منهم و((مضر)) قريش و((هذا الحي)) رفع خبر إن وعقد بيده ((هكذا)) أي: كما ص1415 يعقد الذي يعقد واحدة[5].
قوله: ((على الله)) أي: كالواجب عليه ولفظ ((فرق)) بالتشديد والتخفيف.
ومعناه فمن أطاع في الصلاة وجحد الزكاة أو منعها.
فإن قلت: ما وجه الجمع بين إثبات كفرهم حيث قال كفر من كفر وكونهم مقيمين للصلاة؟ قلت: لم يقل أن الكافرين هم الذين أراد قتالهم فمعناه كان مناظرة الشيخين واتفاقهم على قتال مانعي الزكاة حين كان الخليفة أبا بكر وحين ارتد بعض العرب أو أطلق لفظ الكفر على مانع الزكاة تغليظاً عليه[6].
وقال الخطابي: هذا حديث مشكل لأن القصة دلت على كفرهم والتفريق بين الصلاة والزكاة يوجب أن يكونوا ثابتين على الدين مقيمين للصلاة، ثم إنهم كانوا متأولين في منع الزكاة محتجين بقول الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم}.
فإن التطهير ونحوه معدوم في غيره صلى الله عليه وسلم وكذا صلاة غيره ليست متكأ ومثل هذه الشبهة توجب العذر لهم والوقوف عن قتالهم.
والجواب: أن المخالفين كانوا صنفين، صنف ارتدوا كأصحاب مسيلمة وهم الذين عناهم بقوله من كفر، وصنف أمروا بالصلاة وأنكروا الزكاة وهؤلاء على الحقيقة أهل البغي، وإنما لم يدعو بهذا الاسم خصوصاً بل أضيف الاسم على الجملة إلى الردة إذا كانت أعظم خطبًا وصار بهذا قتال أهل البغي مؤرخاً بأيام علي رضي الله عنه إذ كانوا منفردين في عصره لم يختلطوا بأهل الشرك فإن قيل: لو كان منكر الزكاة باغياً لا كافراً لكان في زماننا أيضاً كذلك لكنه كافر بالإجماع ملتبساً الفرق أنهم إنما عذروا فيما جرى لقرب العهد بزمان صاحب الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام ولوقوع الفترة بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان القوم جهالاً بأمور الدين قد أجلتهم الشبهة.
وأما اليوم فقد ساغ أمر الدين واستفاض العلم بوجوب الزكاة حتى عرفه الخاص والعام فلا يعذر أحد بتأويله، وكان سبيلها سبيل الصلوات الخمس ونحوها وفي الصنف الثاني عرض الخلاف ووقعت المناظرة فقال عمر بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره فقال أبو بكر إن الزكاة حق المال أي هي داخلة تحت الاستثناء بقوله إلا بحقه ثم قاسه على الصلاة لأن قتال الممتنع عن الصلاة كان بالإجماع ولذلك رد المختلف فيه إلى النص عليه والعموم يخص بالقياس مع أن هذه الرواية مختصرة من الروايات المصرحة بالزكاة فيها بقوله حتى تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة.
وأما اختصاره فلأنه قصد به حكاية ما جرى بين الشيخين ولم يقصد ذكر جميع القصة اعتماداً على علم المخاطبين بها أو اكتفاء بما هو الغرض منه في تلك الساعة.
وقال: الخطاب في كتاب الله على ثلاثة أقسام خطام[7] عام كقوله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة} وخاص بالرسول لقوله: {فتهجد به نافلة لك} حيث قطع التشريك بقوله نافلة، وخطاب مواجهة للنبي وهو وجميع أمته في المراد منه سواء كقوله: {أقم الصلاة} فعلى القائم بعده يأمر الأمة أن تحذى حذوه في أخذها منه.
وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحبها فإن الفاعل فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله ورسوله فيها وكل ثواب موعود على عمل كان في زمنه فإنه باق غير منقطع ويستحب للإمام أن يدعو للمصدق ويرجى أن يستجيب الله تلك ولا يحنث مسألته.
قوله: ((عناقاً)) بفتح المهملة الآتي من أولاد المعز و((شرح)) أي: فتح ووسع ولما استقر عنده صحة رأي أبي بكر وبأن له صوابه تابعه على القتال وقال عرفت أنه الحق حيث انشرح صدره أيضاً بالدليل الذي أقامه الصديق نصاً ودلالة وقياساً فلا يقال إنه قلد أبا بكر لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلد المجتهد.
وفيه فضيلة أبي بكر وجواز القياس والعمل به وجواز الحلف وإن كان في غير مجلس الحكم.
وفيه: اجتهاد الأئمة في النوازل ومناظرة أهل العلم والرجوع إلى قول صاحبه إذا كان هو الحق ووجوب الصدقة في السخال والفصلان والعجاجيل وأنها تجزي إذا كانت صغاراً.
وفيه: أن حول النتاج حول الأمهات ولو كان يستأنف بها الحول لم يوجد لنا سبيل إلى أخذ العناق.
الزركشي:
قوله: ((أن رجلاً)) أي: لقيط بن صبرة وافد بني المنتفق كتبته من خط الصريفيني وعن ابن السكن في ((الصحابة)) هو ابن المنتفق رجل من قيس، وغلط ابن قتيبة في غريب الحديث حيث جعل السائل أبا أيوب وإنما هو الراوي عنه.
قوله: ((يدخلني الجنة)) بضم اللام والجملة في موضع جر صفة لقوله بعمل.
((ما له ما له)) استفهام وتكرار الكلمة يقتضي التأكيد أرب ماله في هذه اللفظة أربع روايات أحدها: أرب فعل ماض بوزن علم من أرب الرجل يأرب إذا احتاج أي: احتاج فيسأل عن حاجته ثم قال ما له أي أي شيء به وقيل: تفطن من أرب إذا عقل فهو أريب وقيل: هو دعاء عليه أي: سقطت آرابه وهي أعضاءه ولا يريد وقوعه به كتربت بيده، والثانية: أرب بكسر الراء وضم الباء منوناً اسم فاعل كحذر ومعناه حاذق فطن يسأل عما يعنيه أي: هو أرب فحذف المبتدأ ثم قال ماله أي ما شأنه، والثالثة: بفتح الهمزة والراء وضم الباء منوناً يحمل معناه جاءت به قاله الأزهري وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: له أرب وتكون ما زائدة للتقليل أي: له حاجة يسيرة وفي سائر الوجوه هي استفهامية وقيل: ما له إعادة لكلامهم على جهة الإنكار والرابعة أرب بفتح الجميع رواه أبو ذر وقال القاضي ولا وجه له.
قوله: ((إن هذا الحي)) ويروى: ((إنا هذا الحي)) بالنصب على الاختصاص نأخذه بالرفع صفة لقوله بشيء وندعو له عطف عليه.
((ألا يجوز)) أي: يجوز هذا القول لأن قوله فقولوا بدل على القول انتهى.
أقول:
فإن قلت: لما ذكر الصوم والحج وكلاهما ركنا الإسلام قلت: اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر ولهذا كرر في القرآن وقد سبق في كلام والدي رحمه الله تعالى.
هذا إلى آخر كلامه فلا تعيده، وقال قال ابن الصلاح: الذي وقع في حديث معاذ من ذكر بعض دعائم الإسلام دون بعض هو من تقصير الراوي انتهى كلام ابن الصلاح.
أقول:
إذا لم يوجبه في السنة الثانية والحج في السادسة وقيل في التاسعة أو الثامنة أو العاشرة قاله ابن كثير في تاريخه وكذلك الزكاة فرضت في الثانية.
قال ابن عبد البر: اجتمع على معاذ دين فباع النبي صلى الله عليه وسلم مال كله في دينه حتى قام معاذ بغير شيء حتى إذا كان عام الفتح بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائفة من أهل اليمن ليخبرها. ص1416 ص1417 @ %ص1418%
وقال ابن العربي: قوله لو منعوني عناقاً تعلق به من قال بأخذ السخال من الزكاة، وقال مالك لا يؤخذ وحمل هذا القول على أنه الغاية كما قال من بنى لله مسجداً ولو مثل مفحص قطاه كما حمل قوله لو منعوني عقالاً على الغاية أيضاً لأن العقال لا توجد في الزكاة وقيل العقال صدقة عام.
وقال محمد بن الحسن: لا زكاة في السخال إذا كانت مفردة وهذا الحديث يقضي عليه.


[1] في هامش المخطوط: ((أقول: فمن كان مع أبي بكر في قبائل أهل الردة ... واحد من سبي بني حنيفة أم محمد بن الحنفية....)).
[2] في هامش المخطوط: ((أقول اسمها خولة من سبي بني حنيفة وهي خولة بنت جعد بن قيس بن مسلم بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة)).
[3] في هامش المخطوط: ((أقول هي في المواليد الثلاثة)).
[4] في هامش المخطوط: ((أقول ويحتمل أن يشعر بأن لو لم يكن في البلد إلا صنف واحد وهم الفقراء صرف الزكاة إليه)).
[5] في هامش المخطوط: ((مر تحقيقه في باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة)).
[6] في هامش المخطوط: ((يقرأ من أول الوجه إلى آخره ثم يقرأ قوله عناقاً)). جاء تتمة الكلام في الورقة 346/ب، 347/أ ووضعناه هنا لتتمة السياق.
[7] كذا في المخطوط، ولعل الصواب: ((خطاب)).