إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الصلاة على وقتها

527- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الطَّيالسيُّ البصريُّ، وسقط من رواية الأَصيليِّ «هشام بن عبد الملك» (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ) بعينٍ مُهمَلةٍ مفتوحةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ فزايٍ فألفٍ فراءٍ، ابن حُرَيْثٍ بضمِّ المُهمَلة آخره مُثلَّثةً، الكوفيُّ (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، هو على التَّقديم والتَّأخير، أي: حدَّثنا شعبة قال: أخبرني الوليد بن العَيْزار (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو) سعد بن إياسٍ بسكون العين وبكسر الهمزة في «إِياسٍ» وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة (الشَّيْبَانِيَّ) المُخضرَم
ج1ص481
الكوفيَّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو ستٍّ وتسعين، وله مئةٌ وعشرون سنةً (يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) هو عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه كما صرَّح به مالكُ بن مغولٍ عند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦2782] (وَأَشَارَ) أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ (بيده إلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ اكتفاءً بالإشارة المفهمة [1] عن التَّصريح (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) اتَّفق أصحاب شعبة على هذا اللَّفظ، وخالفهم عليُّ بن حفصٍ، وهو ممَّن احتجَّ به مسلمٌ، فقال: «الصَّلاة في أوَّل وقتها» رواه الحاكم والدَّارقُطنيُّ، واحتُرِز بقوله: «على وقتها» عمَّا إذا وقعت الصَّلاة [2] خارج وقتها من معذورٍ كالنَّائم والنَّاسي، فإنَّ إخراجهما لها عن وقتها لا يُوصَف بتحريمٍ، ولا بأنَّه أفضل الأعمال، مع أنَّه محبوبٌ، لكنَّ إيقاعها في الوقت أحبُّ.
ووجه المُطابَقة بين التَّرجمة باللَّام وبين الحديث بـ «على»: أنَّ «اللَّام» قد تأتي بمعنى «على»، وحروف الخفض ينوب بعضها عن بعضٍ عند الكوفيِّين، كهي في قوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} [الإسراء: 109] أي: عليها {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] أي: عليه، أو هي لام التَّأقيت [3] والتَّأريخ كهي في قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] أي: وقتها؛ وهو الطُّهر، فإنَّ «اللَّام» في الأزمان وما أشبهها للتَّأقيت، ومن عدَّ العدَّة بالحيض علَّق اللَّام بمحذوفٍ، مثل: مستقبلاتٍ، قاله البيضاويُّ، فعلى قول الكوفيِّين: إنَّ حروف الجرِّ ينوب بعضها عن بعضٍ، فهما متطابقان، وإِلَّا فمتغايران لأنَّ «على» للاستعلاء على الوقت، والتَّمكُّن من أداء الصَّلاة في أيِّ جزءٍ كان من أجزائه، و«اللَّام» لاستقبال الوقت، أو «اللَّام» بمعنى «في» لأنَّ الوقت ظرفٌ لها، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] أي: فيها [4] (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّشديد والتَّنوين، كما سمعه أبو الفرج بن الجوزيِّ من ابن الخشَّاب، وقال _يعني: ابن الخشَّاب_: لا يجوز غيره لأنَّه اسمٌ مُعرَبٌ غير مُضافٍ، وأجاب الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة»: بأنَّه مُضافٌ تقديرًا، و [5] المُضاف إليه محذوفٌ لوقوعه في الاستفهام، والتَّقدير: ثمَّ أيُّ العمل أفضل؟ قال: فالأَوْلى أن يُوقَف عليه بإسكان الياء، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: كأنَّه فُهِم أنَّ ابن الخشَّاب نفى كونه مضافًا مُطلَقًا حتَّى أورد عليه أنَّه مُضافٌ تقديرًا، وليس هذا مراد ابن الخشَّاب قطعًا؛ إذ هو بصدد تعليله [6] إيجاب التَّنوين فيه، وهو يثبت بكونه غير مضافٍ لفظًا، وتقدير الإضافة لا يوجب عدم تنوينه، بل ولا يجوِّزه، وتوجيه الفاكهانيِّ في «شرح العمدة»: بأنَّه موقوفٌ عليه في الكلام، والسَّائل ينتظر الجواب منه عليه الصلاة والسلام، والتَّنوين لا يُوقَف عليه إجماعًا، وحينئذٍ فتنوينه ووصله بما بعده خطأٌ، فيُوقَف عليه وقفةً لطيفةً، ثمَّ يُؤتَى [7] بما بعده، أُجيب عنه: بأنَّ الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو بما بعده أن يراعيَ حال المحكيِّ عنه في الابتداء والوقف، بل يفعل هو ما تقتضيه حالته الَّتي هو فيها، والاستعمالات الفصيحة شاهدةٌ بذلك، قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] فهذا كلام [8] محكيٌّ بُدِىء بهمزة قطعٍ وخُتِم بتنوينٍ، ولم يقل أحدٌ بوجوب الوقف على «قالوا» محافظةً على الإتيان بهمزة القطع كما كانت في كلامهم المحكيِّ، ولا بوجوب الوقف على الميم بالسُّكون كما وقفوا عليه، بل يجوز الوصل إجماعًا، فتُراعَى حالته، قاله الدَّمامينيُّ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) بالإحسان إليهما، والقيام بخدمتهما، وترك عقوقهما، وللمُستملي: ((ثمَّ برُّ الوالدين)) (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ رضي الله عنه: قلت: (ثُمَّ أَيُّ؟) بالتَّشديد والتَّنوين كما سبق (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) لإعلاء كلمة الله عزَّ وجلَّ، وإظهار شعائر الإسلام بالنَّفس والمال (قَالَ) ابن مسعودٍ رضي الله عنه: (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) أي: بالثَّلاثة (رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) أي: لو [9] طلبت منه الزِّيادة في السُّؤال (لَزَادَنِي) في الجواب، فإن قلت: ما الجمع بين حديث الباب ونحو: «إنَّ إطعام الطَّعام خير أعمال الإسلام»؟ أُجيب بأنَّ الجواب اختلف باختلاف أحوال السَّائلين، فأعلم كلَّ قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما هو لائقٌ بهم، أو الاختلاف باختلاف
ج1ص482
الأوقات، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنَّه وسيلةٌ إلى القيام بها، ولا ريبَ أنَّ الصَّلاة أفضل من الصَّدقة، وقد تكون في وقت مواساة المُضطَر أفضل، أو أنَّ «أفعل» ليست على بابها، بل المُراد بها الفضل المُطلَق، أو هو على حذف «من» وإرادتها.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والقول والسَّماع والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦2782] وفي [10] «الأدب» [خ¦5970] و«التَّوحيد» [خ¦7534]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة» وفي «البرِّ» والصِّلةِ، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
ج1ص483


[1] في (م): «المبهمة».
[2] «الصَّلاة»: سقط من (م).
[3] في (م): «للتَّأقيت».
[4] في (ب) و(س): «فيه».
[5] في (ص): «أو».
[6] في (ب) و(س): «تعليل».
[7] في (ص) و(م): «يأتي».
[8] في (د): «الكلام».
[9] «لو»: مثبتٌ من (م).
[10] «في»: ليس في (ص).