إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: نهى رسول الله عن بيع الولاء وعن هبته

2535- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويُّ مولاهم أبو عبد الرَّحمن المدنيُّ مولى ابن عمر (قال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: ((النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ) أي: ولاء العتق [1] (وَعَنْ هِبَتِهِ) وقد اشتهر هذا الحديث عن [2] عبد الله بن دينارٍ، حتَّى قال مسلمٌ في «صحيحه»: النَّاس في هذا الحديث عيالٌ عليه، وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهانيُّ بجمع طرق هذا الحديث عن عبد الله بن دينارٍ فأورده عن خمسةٍ وثلاثين نفسًا ممَّن حدَّث به عن عبد الله بن دينارٍ، وأخرج الشَّافعيُّ رضي الله عنه من رواية أبي يوسف القاضي عن عبد الله ابن دينارٍ عن ابن عمر [3]: «الولاء لحمةٌ كلحمة النَّسب»، وأخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» عن أبي يعلى، وأخرجه أبو نعيمٍ من طريق عبد الله بن جعفر بن أَعْيَن عن بشرٍ، فزاد في المتن: «ولايُباع ولا يُوهَب»، ومن طريق عبد الله بن نافعٍ عن عبد الله بن دينارٍ: «إنَّما الولاء نسبٌ، لا يصح بيعه ولا هبته»، والمحفوظ في هذا ما أخرجه عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ عن داود بن أبي هندٍ عن سعيد بن المُسيَّب موقوفًا عليه: الولاء لُحْمَةٌ [4] كلُحْمَةِ النَّسب، قال ابن بطَّالٍ: أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز تحويل النَّسب، وإذا كان حكمُ الولاء حكمَ النَّسب؛ فكما لا يُنقَل النَّسب لا يُنقَل الولاء، وكانوا في الجاهليَّة ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فنهى الشَّرع عن ذلك، وقال ابن العربيِّ: معنى «الولاء لحمةٌ كلحمة النَّسب»: أنَّ الله أخرجه بالحرِّيَّة إلى النَّسب حكمًا؛ كما أنَّ الأب أخرجه بالنُّطفة إلى الوجود حسًّا؛ لأنَّ العبد كالمعدوم في حقِّ الأحكام؛ لا يقضي، ولا يلي، ولا يشهد، فأخرجه سيِّده بالحرِّيَّة إلى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلمَّا شَابَهَ حكمَ النَّسب؛ نيط بالمُعتَق؛ فلذلك جاء [خ¦1493]: «إنَّما الولاء لمن أَعْتَقَ»، وأُلحِق برتبة النَّسب فنُهِي عن بيعه وعن هبته، وأجاز بعض السَّلف نقله، ولعلَّهم لم يبلغهم الحديث.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «العتق»، وأبو داود في «الفرائض» والنَّسائيُّ.
ج4ص314


[1] في (ب) و(س) و(ص): «العتق».
[2] زيد في (م): «ابن»، وليس بصحيحٍ.
[3] «عن ابن عمر»: ليس في (د).
[4] «لحمةٌ»: ليس في (م).