إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

قول الله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا}

(4) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ}) خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو عالم الغيب ({فَلَا يُظْهِرُ}) فلا يُطْلِع ({عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا}) من خلقه {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُولٍ} [الجنِّ: 26] أي: إلَّا رسولًا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب؛ ليكون إخباره عن الغيب معجزةً له، فإنَّه يُطلِعه على غيبه ما شاء و{مِن رَسُولٍ} بيانٌ لـ {مَنِ ارْتَضَى} قال في «الكشَّاف»: وفي هذه الآية إبطال الكرامات [1]؛ لأنَّ الذين تُضَاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسلٍ، وقد خصَّ الله الرُّسل من بين المرتضين بالاطِّلاع على الغيب. انتهى. وأُجيب: بأنَّ قوله: {عَلَى غَيْبِهِ} لفظٌ مفردٌ ليس فيه صيغة العموم، فيكفي أن يقال: إنَّ الله لا يُظهِر على غيبٍ واحدٍ من غيوبه أحدًا إلَّا الرُّسل، فيُحمَل على وقت وقوع القيامة، فكيف وقد ذكرها عقب قوله: {أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ}؟ [الأنبياء: 109] وتُعقِّب بأنَّه ضعيفٌ؛ لأنَّ الرُّسل أيضًا لم يُظهَروا على ذلك، وقال البيضاويُّ: جوابه تخصيص الرَّسول: بالمَلَكِ، والإظهار: بما يكون من غير واسطةٍ، وكرامات الأولياء على المغيَّبات إنَّما تكون تلقِّيًا عن الملائكة كاطِّلاعنا على أحوال الآخرة بتوسُّط الأنبياء، وقال الطِّيبيُّ: الأقرب تخصيص الإطلاع بالضَّعف والخفاء، فإنَّ إطلاع الله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم على الغيب أمكن وأقوى من إطلاعه الأولياء، يدلُّ عليه حرف الاستعلاء في قوله: {عَلَى غَيْبِهِ} فضُمِّن {يُظْهِرَ} معنى يُطْلِع، أي: فلا يُظهِر الله على غيبه إظهارًا تامًّا وكشفًا جليًّا إلَّا من ارتضى من رسولٍ فإنَّ الله تعالى إذا أراد أن يُطلِع النَّبيَّ على الغيب، يوحي إليه أو يرسل إليه الملك، وأمَّا كرامات الأولياء فهي من قبيل التَّلويحات واللَّمحات، أو من جنس إجابة دعوةٍ وصدق فراسةٍ، فإنَّ كشف الأولياء غير تامٍّ كالأنبياء.
(وَ) بابُ قول الله تعالى: ({إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] ) أي: وقت قيامها (وَ) قوله تعالى: ({أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النِّساء: 166] ) أي: أنزله وهو عالمٌ بأنَّك أهلٌ بإنزاله إليك وأنَّك مبلِّغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصِّفات، فإنَّه أثبت لنفسه العلم، وقوله تعالى: ({مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] ) هو في موضع الحال، أي: إلَّا معلومةٌ له [2]، وقوله تعالى: ({إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} [فصِّلت: 47] ) أي: علم قيامها يردُّ إليه، أي: يجب على المسؤول [3] أن يقول: الله أعلم بذلك.
(قَالَ يَحْيَى بْنُ زِيادٍ) الفرَّاء المشهور في «كتاب معاني القرآن» له: (الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) وقال غيره: الظَّاهر: الجليُّ وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه، والباطن: المحتجب كُنْه ذاته عن نظر العقل بحجب كبريائه، وقيل: الظَّاهر بالقدرة، والباطن عن الفكرة، وقيل: الظَّاهر بلا اقتراب، والباطن بلا احتجاب، وقال الشَّيخ أبو حامد [4]: اعلم أنَّه إنَّما خفي مع ظهوره؛ لشدَّة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، وقيل: الظَّاهر بنعمته والباطن برحمته، وقيل: الظَّاهر بما يفيض عليك من العطاء والنَّعماء، والباطن بما يدفع عنك من البلاء، وقيل: الظَّاهر لقومٍ فلذلك وحَّدوه، والباطن عن قومٍ فلذلك جحدوه.
ج10ص351


[1] في (ع): «للكرامات».
[2] «له»: ليس في (د).
[3] زيد في (د): «عنها».
[4] في غير (د) و(س): «أحمد»، وليس بصحيحٍ.