إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مئة لا يبقى

601- وبه قال: (حدَّثنا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَأَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المُهمَلة وسكون المُثلَّثة؛ نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، وأبوه سليمان: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ) من الصَّلاة (قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ) استفهام تعجُّبٍ [1]، و«الكاف»: حرف خطابٍ أُكِّد به الضَّمير [2]، لا محلَّ له من الإعراب لأنَّك تقول: أرأيتك زيدًا ما شأنَه [3]، فلو جعلت الكاف مفعولًا _كما قاله الكوفيُّون_ لعدَّيت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، وللزم أن يُقال: أرأيتموكم، بل الفعل مُعلَّقٌ، أو المفعول محذوفٌ تقديره: أرأيتكم (لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟!) فاحفظوها واحفظوا تاريخها (فَإِنَّ رَأْسَ مِئَةٍ لَا يَبْقَى) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((مئة سنةٍ لا يبقى)) (مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ) كلِّها (أَحَدٌ) ممَّن ترونه أو تعرفونه، أو «ال» للعهد، والمراد: أرضه الَّتي نشأ بها وبُعِثَ منها، قال ابن عمر: (فَوَهلَ النَّاسُ) بفتح الواو والهاء، ويجوز كسرها، أي: غلطوا وذهب وهمهم إلى خلاف الصَّواب (فِي) تأويل (مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ) وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: ((من مقالة رسول الله)) بالميم، أي: من حديثه، ولأبي ذَرٍّ: ((في مقالة النَّبيِّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ فِي هَذِهِ) وللحَمُّويي والمُستملي: ((من هذه)) (الأَحَادِيثِ عَنْ مِئَةِ سَنَةٍ) فكان بعضهم يقول: تقوم السَّاعة عند انقضاء مئة سنةٍ كما في حديث أبي مسعودٍ البدريِّ عند [4] «الطَّبرانيِّ»، وردَّ عليه ذلك عليُّ بن أبي طالبٍ فبيَّن ابن عمر في هذا الحديث مراد الرَّسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: (وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ) أي: بقوله [5]: «مئة سنةٍ» (أنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ) الَّذي هو فيه، فلا يبقى أحدٌ ممَّن كان موجودًا حال تلك المقالة، وفي ذلك علمٌ من أعلام النُّبوَّة؛ فإنَّه [6] استُقرِئ ذلك فكان آخر من ضُبِط عمره مِمَّن كان موجودًا إذ ذاك أبو الطُّفيل عامر بن واثلة، وقد أجمع المحدِّثون على أنَّه كان آخر الصَّحابة موتًا في الكوفة [7]، وغاية ما قِيلَ فيه: إنَّه بقي إلى سنة عشرٍ ومئةٍ، وهي رأس مئةِ سنةٍ من مقالته عليه الصلاة والسلام، وقد [8] تقدَّم مزيدٌ لذلك في «باب السَّمر في العلم» [خ¦116]، والله المستعان.
ج1ص517


[1] في (م): «تعجيب».
[2] في هامش (ص): (قوله: «أُكِّد به الضَّمير» أي: قوي، فالمراد بالتَّوكيد التَّقوية). انتهى.
[3] في غير (ب) و(س): «شأنك»، وفي هامش (ص): (قوله: «ما شأنك» كذا في النُّسخ، والَّذي في كلام غيره من الشُّرَّاح وأهل العربيَّة: «ما شأنه»، فـ «التَّاء»: فاعلٌ، و«الكاف»: حرف خطابٍ، و«ما شأنه»: في محلِّ مفعولٍ ثانٍ). انتهى.
[4] في (س): «عن».
[5] في (م): «مقولة».
[6] في (د): «فقد».
[7] «في الكوفة»: ليس في (د) و(س).
[8] «وقد»: ليس في (ص) و(م).