إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات

2408- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثني)) (عُثْمَانُ) بن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ وَرَّادٍ) بتشديد الرَّاء، الكوفيِّ (مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وكاتبه (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) بن مسعودٍ، الثَّقفيِّ، الصَّحابيِّ المشهور، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة ثمَّ الكوفة، المُتوفَّى سنة خمسين على الصَّحيح، أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: إِنَّ اللهَ) عَزَّ وَجَلَّ (حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ) وكذا حرَّم عقوق الآباء، وخصَّ الأمَّهات بالذِّكر؛ لأنَّ بِرَّهنَّ مُقدَّمٌ على برِّ الأب في التَّلطُّف والحنوِّ لضعفهنَّ، فهو من تخصيص الشَّيء بالذِّكر؛ إظهارًا لتعظيم موقعه (وَوَأْدَ) بفتح الواو وسكون الهمزة: دفن (الْبَنَاتِ) أحياءً حين يُولَدْنَ، وكان أهل الجاهليَّة يفعلون ذلك كراهيةً فيهنَّ، وقيل: إنَّ أوَّل من فعل ذلك قيس بن عاصمٍ التَّميميُّ، وكان بعض أعدائه أغار عليه فأسر ابنته [2]، فاتَّخذها لنفسه، ثمَّ حصل بينهم صلحٌ، فخيَّر ابنته فاختارت زوجها، فآلى قيسٌ على نفسه ألَّا تُولَد له بنتٌ إلَّا دفنها حيَّةً، فتبعه العرب على ذلك (وَمَنَعَ) بفتحاتٍ، بغير صرفٍ، ولأبي ذرٍّ: ((ومنْعًا)) بسكون النُّون مع تنوين العين، أي: وحرَّم عليكم منعَ الواجبات من الحقوق (وَهَاتِ) بالبناء على الكسر: فعل أمرٍ من الإيتاء، أي: وحرَّم أخذ ما لا يحلُّ من أموال النَّاس، أو يمنع النَّاس رفده [3] ويأخذ رفدهم (وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ) كذا (وَقَالَ) فلانٌ كذا، ممَّا يتحدَّث به من فضول الكلام (وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) في العلم؛ للامتحان وإظهار المراء، أو مسألة أناسٍ أموالَهم، أو عمَّا لا يعني، وربَّما يكرهُ المسؤولُ الجوابَ، فيفضي إلى سكوته فيحقد عليهم [4]، أو يلتجئ إلى أن يكذب، وعُدَّ منه قول الرَّجل لصاحبه: أين كنت؟ وأمَّا المسائل المنهيُّ عنها في زمنه عليه الصلاة والسلام؛ فكان ذلك خوف [5] أن يُفرَض عليهم ما لم يكن فرضًا، وقد أُمِنت الغائلة (وَ) كره أيضًا (إِضَاعَةَ الْمَالِ) السَّرف في إنفاقه؛ كالتَّوسُّع في الأطعمة اللَّذيذة، والملابس الحسنة، وتمويه الأواني والسُّقوف بالذَّهب والفضَّة؛ لما ينشأ عن ذلك من القسوة وغلظ الطَّبع، وقال سعيد بن جبيرٍ: إنفاقه في الحرام، والأقوى أنَّه ما أُنفِق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، سواءٌ كانت دينيَّةً أو دنيويَّةً، فمنع منه؛ لأنَّ الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك [6] المصالح؛ إمَّا في حقِّ مضيِّعها، وإمَّا في حقِّ غيره، ويُستثنَى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البرِّ لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوِّت حقًّا أخرويًّا هو أهمُّ منه، والحاصل: أنَّ [7] في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجهٍ؛ الأوَّل: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعًا، فلا شكَّ في منعه، والثَّاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعًا، فلا ريب في كونه مطلوبًا بالشَّرط المذكور، والثَّالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة؛ كملاذ النَّفس، فهذا ينقسم إلى قسمين، أحدهما: أن يكون على وجهٍ يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإسرافٍ، والثَّاني:
ج4ص229
ما لا يليق به عرفًا، وهو ينقسم أيضًا إلى قسمين: ما يكون لدفع مفسدةٍ ناجزةٍ أو متوقَّعةٍ، فهذا ليس [8] بإسرافٍ، والثَّاني: ما لا يكون في شيءٍ من ذلك، والجمهور: على أنَّه إسرافٌ، وذهب بعض الشَّافعيَّة: إلى أنَّه ليس بإسرافٍ، قال: لأنَّه تقوم به مصلحة البدن، وهو غرضٌ صحيحٌ، وإذا كان في غير معصيةٍ؛ فهو مباحٌ، قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قاله. انتهى. وقد صرَّح بالمنع القاضي حسينٌ، وتبعه الغزاليُّ وجزم به الرَّافعيُّ، وصَحَّح في «باب الحجر» من الشَّرح، وفي «المُحرَّر»: أنَّه ليس بتبذيرٍ، وتبعه النَّوويُّ، والذي يترجَّح أنَّه ليس مذمومًا لذاته، لكنَّه يُفضي غالبًا إلى ارتكاب المحذور [9]؛ كسؤال النَّاس، وما أدَّى إلى المحذور فهو محذورٌ.
ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، ومنصورٌ وشيخه وشيخ شيخه تابعيُّون، وسبق في «باب قول الله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦1477].
ج4ص230


[1] في (د): «رسول الله»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[2] في (د): «بنته».
[3] في (د): «رفده النَّاس».
[4] في (د): «عليه».
[5] في (ص) و(م): «خوفًا».
[6] في (د): «لتلك».
[7] «أنَّ»: ليس في (د) و(ص) و(م).
[8] في (ب) و(س): «فليس هذا».
[9] في (د): «المحظور».