إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: صنف تمرك كل شيء منه على حدته

2405- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ مُغِيرَةَ) بن مِقسم _بكسر الميم_ الضَّبِّيِّ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله
ج4ص226
الأنصاريّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وعن أبيه أنَّه (قَالَ: أُصِيبَ) أبي (عَبْدُ اللهِ) هو ابن عمرو [1] بن حرامٍ يوم أُحُدٍ، أي: قُتِل (وَتَرَكَ عِيَالًا) _بكسر العين_ سبع بناتٍ أو تسعًا (وَدَيْنًا) ثلاثين وَسْقًا _كما مرَّ_ [خ¦2396] مع غيره (فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ) أي: انتهى طلبي إليهم (أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ) وسقط لأبي ذرٍّ قوله «من دينه»، وفي روايته عن الحَمُّويي والمُستملي: ((بعضها)) بدل قوله: ((بعضًا)) (فَأَبَوْا) أن يضعوا (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا) أن يضعوا بعد أن سألهم عليه الصلاة والسلام في ذلك (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام لي: (صَنِّفْ تَمْرَكَ) اجعله أصنافًا متميِّزةً (كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ) _بكسر الحاء وتخفيف الدَّال_ على انفراده غير مختلطٍ بغيره، والهاء عوضٌ من الواو؛ مثل: عِدَةٍ (عِذْقَ ابْنِ زَيْدٍ) بكسر العين المهملة، وفي نسخةٍ بفتحها وسكون الذَّال المعجمة، والنَّصب بدلًا من السَّابق، وهو عَلَمٌ على شخصٍ نُسِبَ إليه هذا النَّوع الجيِّد من التَّمر، وقال الدِّمياطيُّ: المشهور عذق زيدٍ، والعَذق بالفتح: النَّخلة، وبالكسر: الكباسة (عَلَى حِدَةٍ) ولأبي ذرٍّ: ((على حدته)) (وَاللِّينَ) _بكسر اللَّام وسكون التَّحتيَّة_ اسم جنسٍ جمعيٍّ، واحده لينةٌ؛ وهو من اللَّون، فياؤه منقلبةٌ عن واوٍ لسكونها وانكسار ما قبلها: نوعٌ من التَّمر أيضًا، أو هو رديئه، وقيل: إنَّ أهل المدينة يسمُّون النَّخل كلَّها ما عدا البرنيِّ والعجوة اللَّونَ (عَلَى حِدَةٍ) ولأبي ذرٍّ: ((على حدته)) (وَالْعَجْوَةَ) وهي من أجود التَّمر (عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَحْضِرْهُمْ) بكسر الضَّاد المعجمة والجزم، فعل أمرٍ، أي: أحضر الغرماء (حَتَّى آتِيَكَ) قال جابرٌ: (فَفَعَلْتُ) ما أمرني به عليه الصلاة والسلام من التَّصنيف وإحضار الغرماء (ثُمَّ جَاءَ عَلَيْهِ السَّلَامُ) وفي نسخةٍ: ((صلى الله عليه وسلم)) [2] (فَقَعَدَ عَلَيْهِ) أي: على التَّمر (وَكَالَ) من التَّمر (لِكُلِّ رَجُلٍ) من أصحاب الدُّيون حقَّه (حَتَّى اسْتَوْفَى) حقَّهم (وَبَقِيَ التَّمْرُ كَمَا هُوَ) قال الكرمانيُّ: كلمة «ما» موصولةٌ، مبتدأٌ خبره محذوفٌ أو زائدةٌ، أي: كمثله (كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم مبنيًّا للمفعول، وقال [3] جابرٌ بالسَّند المذكور:
2406- (وَغَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) غزوة ذات الرِّقاع كما قاله ابن إسحاق، أو تبوك؛ كما يأتي _إن شاء الله تعالى_ في تعليق داود بن قيسٍ في «الشُّروط» [خ¦2718] (عَلَى نَاضِحٍ لَنَا) بالضَّاد المعجمة والحاء المهملة؛ جملٍ يُسقَى عليه النَّخل (فَأَزْحَفَ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فزايٍ فحاءٍ مهملةٍ ففاءٍ، أي: كلَّ وأعيا (الْجَمَلُ) بالجيم، وأصله: أنَّ البعير إذا تعب يجرُّ رسنه [4]، فكأنَّهم كنَّوا بقولهم: أزحف رسنه، أي: جرَّه من الإعياء، ثمَّ حذفوا المفعول لكثرة الاستعمال (فَتَخَلَّفَ عَلَيَّ) أي: عن القوم (فَوَكَزَهُ) بالواو بعد الفاء، أي: ضربه (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) بالعصا (مِنْ خَلْفِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((فركزه)) بالرَّاء بدل الواو، أي: ركز فيه العصا، والمرادُ المبالغةُ في ضربه بها [5] فسبق القوم (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (بِعْنِيهِ) في روايةٍ سبقت [خ¦2097]: ((بِوَقِيَّةٍ)) (وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ) أي: ركوبه، وللنَّسائيِّ: «وأعرتك ظهره إلى المدينة» (فَلَمَّا دَنَوْنَا) قربنا من المدينة (اسْتَأْذَنْتُ، فقُلْتُ [6]: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: فَمَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ) بالميم، ولأبوي ذرٍّ والوقت: ((أو)) (ثَيِّبًا؟) بالمُثلَّثة أوَّله (قُلْتُ): تزوَّجت (ثَيِّبًا، أُصِيبَ عَبْدُ اللهِ) أبي [7] (وَتَرَكَ جَوَارِيَ صِغَارًا، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا تُعَلِّمُهُنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ، ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (ائْتِ أَهْلَكَ، فَقَدِمْتُ) عليهم (فَأَخْبَرْتُ خَالِي) ثعلبة بن عَنَمة _بفتح العين المهملة والنُّون_ ابن عديٍّ [8] بن سنانٍ، الأنصاريَّ الخزرجيَّ، وله خالٌ آخر اسمه عمرو بن عَنَمَة وأختهما أُنَيْسَة بنت عَنَمة أمُّ جابر بن عبد الله [9] (بِبَيْعِ الْجَمَلِ فَلَامَنِي) يحتمل أن يكون لومه [10] لكونه محتاجًا إليه، أو لكونه باعه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولم يهبه منه، وعند ابن عساكر بإسناده إلى جابرٍ: أنَّ اسمَ خاله الذي شهد به العقبة الجدُّ بن قيسٍ؛ بالجيم والدَّال المهملة، ورواه الطَّبرانيُّ وابن منده من طريق معاوية بن عمَّارٍ عن أبيه عن أبي الزُّبير عن جابرٍ بلفظ: حملني خالي جَدُّ بن قيسٍ _وما أقدر أن أرمي بحجرٍ_ في السَّبعين راكبًا من [11] الأنصار الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم....، فذكر الحديث في «بيعة العقبة»، وإسناده قويٌّ،
ج4ص227
ويُقال [12]: إنَّه كان منافقًا، فروى أبو نُعيمٍ وابن مردويه من طريق الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ أنَّه نزل فيهم: {وَمِنْهُم مَن يَقُولُ ائذَن لِي وَلَا تَفْتِنِّي} [التَّوبة: 49] فيحتمل أنَّ الجدَّ خالُ جابرٍ من جهةٍ مجازيَّةٍ، وأن يكون هو الذي لامه على بيع الجمل؛ لِمَا اتُّهِم به من النِّفاق؛ بخلاف ثعلبة وعمرٍو، وقد ذكر أبو عمر في آخر ترجمة جدِّ بن قيسٍ: أنَّه تاب وحسنت توبته (فَأَخْبَرْتُهُ) أي: خالي (بِإِعْيَاءِ الْجَمَلِ وَبِالَّذِي كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَوَكْزِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((وركزه)) [13] (إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم؛ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْجَمَلِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الْجَمَلِ) وزادني (وَ) أعطاني (الْجَمَلَ وَسَهْمِي) من الغنيمة _بإسكان الهاء_ اسمٌ مضافٌ إلى [14] الياء [15] مع نصبه [16] عطفًا على المنصوب السابق، وفي البرماوي كالكرماني ويُروَى: ((وسَهَمَني)) (مَعَ الْقَوْمِ) بفتح الهاء والميم فعل اتصلت به نون الوقاية، وضبطه في «المصابيح» كـ «التَّنقيح» [17]: بتشديد الهاء، وهذا كما قال ابن الجوزيِّ [18]: من أحسن التَّكرُّم؛ لأنَّ من باع شيئًا فهو في الغالب محتاجٌ لثمنه، فإذا تعوَّض الثَّمن؛ بقي في قلبه من البيع أسفٌ على فراقه، فإذا رُدَّ عليه المبيع مع ثمنه ذهب أسفه، وثبت فرحه، وقُضِيت حاجته، فكيف مع ما انضمَّ إليه من الزِّيادة في الثَّمن؟!
ج4ص228


[1] «ابن عمرٍو»: ليس في (ص).
[2] قوله: «وفي نسخةٍ: صلى الله عليه وسلم»: ليس في (د).
[3] في غير (ب) و(س): «قال».
[4] في (د): «فِرْسَنَه»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[5] «بها»: ليس في (ص).
[6] كذا في جميع النُّسخ، وفي «اليونينيَّة»: «قلتُ».
[7] «أبي»: ليس في (د1) و(ص).
[8] في (د): «عريٍّ»، وهو تحريفٌ.
[9] قوله: «وله خالٌ آخر اسمه عمرو بن عَنَمَة ... بن عبد الله» جاء في (د) بعد قوله: «ولم يهبه منه» اللَّاحق.
[10] في (د1) و(ص) و(م): «لَامَهُ».
[11] في (د): «في».
[12] في (د): «وقيل».
[13] كذا في النسخ، والذي في اليونينية أن روايتهم «فركزه»، وقوله: «ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُسْتملي: وركزه»: ليس في (م).
[14] «إلى»: ليس في (ص) و(م).
[15] في (د): «للياء».
[16] في (ل): «اسم مضاف الياء مع نصبها»، وفي هامشها: (كذا بخطِّه ولعلَّه: مضاف للياء، وقوله: «مع نصبها» كذا بخطِّه، وصوابه: مع نصبه، أي: المضاف وهو «سهم» _ بفتحة مقدَّرة _). انتهى.
[17] «كالتَّنقيح»: ليس في (د) و(م).
[18] في غير (د): «الجزريِّ»، وهو تحريفٌ.