إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب إذا أكل الكلب

(7) هذا [1] (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ) أي: من الصَّيد حرُم أكلُه، ولو كان الكلبُ معلَّمًا، واستؤنفَ تعليمه _كما في «المجموع»_ لفساد التَّعليم [2] من حينهِ لا من أصلهِ.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ}) في السُّؤال معنى القول، فلذا وقعَ بعده ({مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ}) كأنَّه قيل: يقولون لك: ماذا أحلَّ لهم، وإنَّما لم يقل: ماذا أحلَّ لنا، حكايةً لما قالوا لأنَّ {يَسْأَلُونَكَ} بلفظ الغيبة كقولك: أقسم زيدٌ ليفعلنَّ، ولو قيل: لأفعلنَّ وأحلَّ لنا لكان صوابًا، وماذا مبتدأ و{أُحِلَّ لَهُمْ} خبرُه، كقولك: أيُّ شيءٍ أحلَّ لهم، ومعناه: ماذا أحلَّ لهم من المطاعمِ كأنَّهم [3] حين تُلي عليهم ما حُرِّم عليهم من خبيثاتِ المآكل [4] سألوا عمَّا أحلَّ لهم منها، فقال: ({قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}) أي: ما ليس بخبيثٍ منها، وهو كلُّ ما لم يأت تحريمه في كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ أو قياس ({وَمَا عَلَّمْتُمْ}) عطف على الطَّيِّبات، أي: أحلَّ لكم الطَّيِّبات وصيد ما علمتُم فحذف المضاف ({مِنَ الْجَوَارِحِ}) أي: من [5] الكواسبِ من سباعِ البهائمِ والطَّير كالكلبِ والفهد والنَّمر والعقاب والصَّقر والباز والشَّاهين، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «{قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ}...» إلى آخره وقال بعد قولهِ: {أُحِلَّ لَكُمُ}: ((الآيةَ)) ({مُكَلِّبِينَ}) حال من {عَلَّمْتُمْ} وفائدة هذه [6] الحال مع أنَّه استغنى عنها بعلمتُم أن يكون من يعلم الجوارح موصوفًا بالتَّكليب، والمكلَّب مؤدِّب الجوارح ومعلِّمها مشتقٌّ من الكلب لأنَّ التَّأديب أكثرُ ما يكون في الكلابِ، فاشتقَّ من لفظه لكثرتهِ في جنسهِ، أو لأنَّ السَّبع يسمَّى كلبًا أو من الكلَب الَّذي بمعنى الضَّراوة. يقال: هو كلبٌ بكذا إذا كان ضاريًا به [7].
(الصَّوَائِدُ) جمع: صائدة (وَالْكَوَاسِبُ) جمع كاسبةٍ، صفة. قال العينيُّ: للجوارح، وقال ابن حجرٍ: للكلاب [8]، وسقطَتِ الواو الأولى لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، أي: الكلاب الصَّوائد.
({اجْتَرَحُوا}) أي: (اكْتَسَبُوا) كذا فسَّرها أبو عبيدة [9]، ذكرها المؤلِّف استطرادًا إشارة إلى أنَّ الاجتراحَ يُطلق على الاكتسابِ، وليس من الآية المسوقةِ هنا بل معترضٌ بين {مُكَلِّبِينَ} و{تُعَلِّمُونَهُنَّ}.
({تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ}) من علم التَّكليب [10] ({فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}) الإمساك أن لا يأكل منه فإن أكل منه لم [11] يؤكلْ إذا كان صيدَ كلب ونحوه، فأمَّا صيدُ البازي [12] ونحوه فأكله لا يحرمه (إِلَى قولهِ: {سَرِيعُ الْحِسَابِ} [المائدة: 4]) يحاسبكم على أفعالكُم ولا يلحقه فيه لُبْثٌ، وسقط لأبي ذرٍّ «{تُعَلِّمُونَهُنَّ}...» إلى آخره.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما فيما وصله سعيدُ بن منصور: (إِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ) ممَّا صاده (فَقَدْ أَفْسَدَهُ) على صاحبه بإخراجه عن صلاحيَّته للأكل لأنَّه (إِنَّمَا أَمْسَكَ [13] عَلَى نَفْسِهِ) بأكله [14] منه (وَاللهُ) تعالى (يَقُولُ: {تُعَلَّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ} فَتُضْرَبُ) على الأكل ممَّا اصطادته (وَتُعَلَّمُ حَتَّى تتْرُكَ) الأكل (وَكَرِهَهُ) أي: الصَّيد الَّذي أكل منه الكلب (ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، وهذا وصله ابنُ أبي شيبة.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح، فيما وصله ابنُ أبي شيبة: (إِنْ شَرِبَ) الكلب (الدَّمَ) ممَّا صاده (وَلَمْ يَأْكُلْ) من لحمه أو نحوه كجلده وحشوته [15] (فَكُلْ).
ج8ص262


[1] «هذا»: ليست في (د).
[2] في (د) زيادة: «الأول».
[3] في (د): «كأنه».
[4] في (م): «الأكل».
[5] «أي من»: ليست في (د).
[6] في (د): «هذا».
[7] في (ب): «عليه».
[8] في (د) زيادة: «المقدرة».
[9] في (ص) و(ب) و(س) و(د): «عبيد»، والمثبت من(م).
[10] في (ب) و(س): «التكليف».
[11] في (د): «لا».
[12] في (د): «الباز»، وفي هامش (ص): (قوله: «فأمَّا صيد البازي ... إلى آخره»: قال الشَّيخ الزِّياديُّ: وشرط في جارحة الطير تركَ الأكل فقط، ويشترط فيها أيضًا: أن تهيج عند الإغراء، وهذا هو المُعتمَد، فيُشترَط فيها أمران: ترك الأمل، وأن تهيج عند الإغراء. انتهى. «رملي»، قال الإمام: ولا مطمع في انزجارها بعد إرسالها). انتهى..
[13] في (ص): «أمسكه».
[14] في (د): «يأكل».
[15] في (د): «أو حشوته».