إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ

2353- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قَالَ: لَا يُمْنَعُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ) مبنيٌّ للمفعول أيضًا (بِهِ الْكَلأُ) بفتح الكاف والرَّفع: العشب يابسه ورطبه، واللَّام في «ليُمنَع» لام العاقبة كهي في قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فَرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8] ومعنى الحديث: أنَّ من شقَّ ماءً بفلاةٍ وكان حول ذلك الماء كلأٌ ليس حوله ماءٌ غيره، ولا يُوصَل إلى رعيه إلَّا إذا كانت المواشي ترد ذلك، فنُهِي صاحب الماء أن يمنع فضله [1]؛ لأنَّه إذا منعه منع رعي ذلك الكلأ، والكلأ لا يُمنَع لما في منعه من الإضرار بالنَّاس، ويلتحق به الرِّعاء إذا احتاجوا إلى الشُّرب؛ لأنَّهم إذا مُنِعوا من الشُّرب امتنعوا من الرَّعي هناك، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة وبه قال الحنفيَّة: الاختصاص بالماشية، وفرَّق الشَّافعيُّ فيما حكاه المزنيُّ عنه بين المواشي والزُّروع: بأنَّ [2] الماشية ذات أرواحٍ يُخشَى من عطشها موتُها؛ بخلاف الزَّرع، وهذا محمولٌ عند أكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم على ماء البئر المحفورة في الملك، أو في الموات بقصد التَّملُّك أو الارتفاق خاصَّةً، فالأولى: وهي التي في ملكه، أو في مواتٍ بقصد التَّملُّك يملك ماؤها على الصَّحيح عند أصحابنا، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في القديم، والثَّانية: _وهي المحفورة في مواتٍ بقصد الارتفاق_ لا يملك الحافر ماءها، نعم هو أولى به إلى أن يرتحل، فإذا ارتحل صار كغيره ولو عاد بعد ذلك، وفي كلا الحالتين [3] يجب عليه بذل ما يفضُل عن حاجته، والمراد بحاجته: نفسُه وعيالُه وماشيتُه وزرعُه، لكن قال إمام الحرمين: وفي الزَّرع [4] احتمالٌ على بُعْدٍ، أمَّا البئر المحفورة للمارَّة فماؤها مشتركٌ بينهم والحافر كأحدهم، ويجوز الاستقاء منها للشُّرب وسقي الزَّرع، فإن ضاق عنهما فالشُّرب أولى، وكذا المحفورة بلا قصدٍ على أصحِّ الوجهين لأصحابنا [5]، وأمَّا المُحرَز في إناءٍ؛ فلا يجب بذل فضله على الصَّحيح لغير المضطرِّ، ويُملَك بالإحراز، هذا كلام
ج4ص194
الشَّافعيَّة، وكلام الحنفيَّة والحنابلة في ذلك متقاربٌ في الأصل والمُدرَك وإن اختلفت تفاصيلهم، وجعل المالكيَّة هذا الحكم في البئر المحفورة في الموات، وقالوا في المحفورة في الملك: لا يجب عليه بذل فضلها، وقالوا في المحفورة في الموات: لا تُباع، وصاحبها وورثته أحقُّ بكفايتهم، وهذا النَّهي للتَّحريم عند مالكٍ والشَّافعيِّ والأوزاعيِّ واللَّيث، وقال غيرهم: هو من باب المعروف.
ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فضل الماء يدلُّ على أنَّ صاحب الماء أحقُّ به عند عدم الفضل، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦6962]، ومسلمٌ في «البيوع»، والنَّسائيُّ [6] في «إحياء الموات»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه.
ج4ص195


[1] في (ب) و(س): «فضل مائه».
[2] في (د): «لأنَّ».
[3] في (ب) و(س): «الحالين».
[4] في (م): «المَزَارِع».
[5] في (ب) و(س): «عند أصحابنا».
[6] في (ص): «ومسلمٌ»، ولعلَّه تكرارٌ.