إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: في كل كبد رطبة أجر

2363- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام الأعظم [1] (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المهملة [2] وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، زاد في «المظالم» [خ¦2466]: مولى أبي بكرٍ، أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (يَمْشِي) وللدَّارقطنيِّ في «المُوطَّآت» من طريق رَوْحٍ عن مالكٍ: «يمشي بفلاةٍ»، وله من طريق ابن وهبٍ عن مالكٍ: «يمشي بطريق مكَّة» (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ)
ج4ص201
أي: إذا اشتدَّ، فالفاء هنا وقعت [3] موضع «إذا»؛ كما وقعت «إذا» موضعها في قوله: {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الرُّوم: 36] (فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ) [4] من البئر (فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ) حال كونه (يَلْهَثُ) بفتح الهاء وبالثَّاء المُثلَّثة، أي: يرتفع نَفَسُه بين أضلاعه، أو يُخرج لسانه من العطش، حال كونه (يَأْكُلُ الثَّرَى) بفتح المُثلَّثة، أي: يكدم بفيه [5] الأرض النَّديَّة (مِنَ الْعَطَشِ) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: ((من العُطَاشِ)) بضمِّ العين كـ «غُرَابٍ»، قال في «القاموس»: هو داءٌ لا يروى صاحبه، وقال السَّفاقسيُّ: داءٌ يصيب الغنم تشرب فلا [6] تروى، وهذا موضعُ ذكر هذه الرِّواية، وسها الحافظ ابن حجرٍ فذكرها في «فتح الباري» وتبعه العينيُّ عند اشتداد العطش على الرَّجل، وعبارته [7] قوله: فاشتدَّ عليه العطش؛ كذا للأكثر، وكذا هو في «المُوطَّأ»، ووقع في رواية المُستملي: ((العُطَاش))، قال ابن التِّين: هو داءٌ يصيب الغنم تشرب فلا تروى، وهو غير مناسبٍ هنا، قال: وقيل: يصحُّ على تقدير: أنَّ العطش يحدث عنه [8] هذا الدَّاء كالزُّكام، قلت: وسياق الحديث يأباه، فظاهره: أنَّ الرَّجل سقى الكلب حتَّى روي؛ ولذلك جُوزِي بالمغفرة. انتهى [9]. فتأمَّله [10].
(فَقَالَ) الرَّجل: (لَقَدْ بَلَغَ هَذَا) أي [11]: الكلب (مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي) أي: من شدَّة العطش، وزاد ابن حبَّان من وجهٍ آخر عن أبي صالحٍ: «فرحمه»، وقوله: «مثلُ» بالرَّفع في فرع «اليونينيَّة» والنُّسخة المقروءة على الميدوميِّ وغيرهما ممَّا وقفت عليه من الأصول المعتمدة، وحكاه ابن الملقِّن عن ضبط الحافظ الشَّرف الدِّمياطيِّ: على أنَّه فاعلُ «بلغ» [12]، وقوله: «هذا» مفعولٌ به مُقدَّمٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ كالزَّركشيِّ: «مثلَ» بالنَّصب، نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: بلغ مبلغًا مثلَ الذي بلغ بي، قال في «المصابيح»: وهذا لا يتعيَّن؛ لجواز أن يكون المحذوف مفعولًا به، أي: عطشًا، زاد أبو ذرٍّ هنا في روايته: ((فنزل بئرًا)) (فَمَلأَ خُفَّهُ) ولابن حبَّان: «فنزع إحدى خُفَّيه» (ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ) ليصعد من البئر؛ لعسر المُرتقَى منها (ثُمَّ رَقِيَ) منها؛ بفتح الرَّاء وكسر القاف كـ «صَعِد» وزنًا ومعنًى، ومقتضى كلام ابن التِّين: أنَّ الرِّواية: ((رَقَى)) بفتح القاف، وذلك أنَّه قال: «ثمَّ رقى» كذا وقع، وصوابه: «رَقِي» على وزن «عَلِم»، ومعناه: صعد، قال تعالى: {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ} [الإسراء: 93] وأمَّا «رقَى» _بفتح القاف_؛ فمن الرُّقية، وليس هذا موضعه، وخرَّجه على لغة طيئ في مثل: بقَى يبقَى ورضَى يرضى، يأتون بالفتحة مكان الكسرة، فتنقلب الياء ألفًا، وهذا دأبهم في كلِّ ما هو من هذا الباب. انتهى. قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: ولعلَّ المقتضيَ لإيثار الفتح هنا _إن صحَّ_ قصدُ المزاوجة بين «رَقَى» و«سَقَى»، وهي [13] من مقاصدهم التي يعتمدون فيها تغييرَ الكلمة عن وضعها الأصليِّ. انتهى.
(فَسَقَى الكَلْبَ) زاد عبد الله بن دينارٍ عن أبي صالحٍ فيما سبق في «كتاب الوضوء» [14] [خ¦173]: «حتَّى أرواه» أي: جعله ريَّان (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أثنى عليه، أو قَبِل عمله ذلك [15]، أو أظهر ما جازاه به عند ملائكته (فَغَفَرَ لَهُ) وفي رواية عبد الله بن دينارٍ: «فأدخله الجنَّة» بدل قوله: «فغفر له» (قالوا) أي: الصَّحابة، وسُمِّي منهم سُراقة بن مالك بن جعشمٍ، فيما رواه أحمد وابنا ماجه [16] وحبَّان (يَا رَسُولَ اللهِ) الأمر كما ذكرت (وَإِنَّ لَنَا فِي) سقي (الْبَهَائم) أو الإحسان إليها (أَجْرًا؟) أتوا بالاستفهام المُؤكَّد للتَّعجُّب (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فِي) إرواء (كُلِّ) ذي (كبدٍ) بفتح الكَاف وكسر الموحَّدة، ويجوز سكونها، وكسر الكاف وسكون الموحَّدة (رَطْبَةٍ) برطوبة الحياة من جميع الحيوانات، أو هو من باب وصف الشَّيء باعتبار ما يؤول إليه، فيكون معناه: في كلِّ كبدٍ حرَّى [17] لمن سقاها حتَّى تصير رطبةً (أَجْرٌ) بالرَّفع مبتدأٌ قُدِّم خبره، والتَّقدير: أجرٌ حاصلٌ أو كائنٌ في إرواء كلِّ ذي كبدٍ حيٍّ في جميع الحيوانات، لكن قال النَّوويُّ: إنَّ عمومه مخصوصٌ بالحيوان المحترم؛ وهو ما لم يُؤمَر بقتله، فيحصل الثَّواب بسببه ويلتحق به إطعامه.
وفي هذا الحديث: الحثُّ على الإحسان وأنَّ الماء من أعظم القربات. وعن بعض الصَّالحين [18]: من كثرت ذنوبه؛ فعليه بسقي الماء، وأخرجه أيضًا في «المظالم» [خ¦2466] و«الأدب» [خ¦6009]، ومسلمٌ في «الحيوان»، وأبو داود في «الجهاد» (تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتح السِّين المهملة واللَّام (وَالرَّبِيعُ) بفتح الرَّاء وكسر
ج4ص202
المُوحَّدة (ابْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام المُخفَّفة، البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) وسقطت هذه المتابعة من بعض النُّسخ.
ج4ص203


[1] «الأعظم»: ليس في (د).
[2] «المهملة»: ليس في (د).
[3] «وقعت»: ليس في (د) و(س).
[4] زيد في (د): «منها».
[5] في (د): «بفمه».
[6] في (د): «فتشرب ولا».
[7] زيد في (ب) و(م): «في»، ولا يصحُّ.
[8] في (د): «منه».
[9] «انتهى»: ليس في (ص) و(د1) و(ص).
[10] قوله: «مِنَ الْعَطَشِ، وفي رواية الحَمُّويي والمُسْتملي... ولذلك جُوزِي بالمغفرة، فتأمَّله»: سقط من (م).
[11] «أي»: ليس في (د).
[12] في (د) و(ص) و(م): «يبلغ».
[13] في (ب) و(س): «وهو».
[14] في (د): «العلم»، وليس بصحيحٍ.
[15] في (م): «بذلك».
[16] في (د): «خزيمة»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (5/51).
[17] في (د): «جزاء»، وهو تحريفٌ.
[18] في (د): «التَّابعين».