إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث علي: أصبت شارفًا مع رسول الله في مغنم يوم بدر قال

2375- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثني)) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الرَّازي المعروف بالصَّغير، قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف [1]، الصَّنعانيُّ اليمانيُّ [2] قاضيها (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيَّ (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ) سقط لأبي ذرٍّ «ابن عليٍّ» (عَنْ أَبِيهِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ) أبيه (عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أَنَّهُ قَالَ: أَصَبْتُ شَارِفًا) بشينٍ معجمةٍ وبعد الألف راءٌ مكسورةٌ ثمَّ فاءٌ: المُسِنَّة من النُّوق، قاله الجوهريُّ وغيره عن الأصمعيِّ يُقال للذَّكر: شارفٌ، والأنثى: شارفةٌ (مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ) في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وفي نسخةٍ: ((في مغنمِ يومِ بدرٍ))؛ بإضافة «مغنمٍ» لـ «يوم» (قَالَ: وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم شَارِفًا) مُسِنَّةً (أُخْرَى) من النُّوق قبل يوم بدرٍ من الخمس من غنيمة عبد الله بن جحشٍ (فَأَنَخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا) بكسر الهمزة وسكون الذَّال وكسر الخاء المعجمتين [3]: نبتٌ معروفٌ طيِّب الرَّائحة يستعمله الصَّوَّاغون، واحدته [4] إذخرةٌ (لأَبِيعَهُ وَمَعِي صَائِغٌ) بصادٍ مهملةٍ وبعد الألف همزةٌ، وقد تُسهَّل، وآخره غينٌ معجمةٌ، من الإصاغة [5]، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي [6]: ((طابِعٌ)) بطاءٍ مهملةٍ ومُوحَّدةٍ مكسورةٍ بعد الألف فعينٍ مهملةٍ، وله أيضًا عن الحَمُّويي: ((طالعٌ)) باللَّام بدل المُوحَّدة، أي: ومعه من يدلُّه على الطَّريق، قال الكرمانيُّ: وقد يُقال: إنَّه اسم الرَّجل (مِنْ بَنِي قَينقَاعَ) بفتح القافين وضمِّ النُّون وفتحها في الفرع، ويجوز الكسر، غير منصرفٍ على إرادة القبيلة، أو منصرفٍ على إرادة الحيِّ؛ وهم رهطٌ من اليهود (فَأَسْتَعِينَ بِهِ) أي: بثمن الإذخر (عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ) بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: «فأستعين»؛ بالنَّصب؛ عطفًا على قوله: «لأبيعه» (وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَشْرَبُ) خمرًا (فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ مَعَهُ قَيْنَةٌ) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة وفتح النُّون ثمَّ هاء تأنيثٍ، أي: مغنيِّةٌ (فَقَالَتْ: أَلَا) للتَّنبيه (يَا حَمْزَ) منادًى مُرخَّمٌ مفتوحُ الزَّاي على لغة من نوى، وفي نسخةٍ: ((يا حَمْزُ)) بضمِّ الزَّاي على لغة من لم ينوِ (لِلشُّرُفِ) بضمِّ الشِّين المعجمة والرَّاء، جمع شارفٍ؛ وهي المُسِنَّة من النُّوق (النِّوَاءِ) بكسر النُّون وتخفيف الواو، ممدودًا، جمع ناويةٍ؛ وهي السَّمينة، صفةٌ «للشُّرُف»، وفي جمعهما _وهما شارفان_ دليلٌ على إطلاق الجمع على الاثنين، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ [7] بمحذوفٍ تقديره: «انهض»، تستدعيه أن ينحر شارِفَي عليٍّ المذكورين؛ ليطعم أضيافه من لحمهما، وهذا مطلع قصيدةٍ، وبقيَّته: [من الوافر]
~. . . . . . . . . . . . . . . . . . وهنَّ مُعقَّلاتٌ بالفناءِ
وبعده:
~ضَعِ السِّكينَ في اللَّبَّاتِ منها وضرِّجْهُنَّ حمزةُ بالدِّماءِ
~وعجِّل من أَطايبها لشَرْبٍ قديرًا [8] من طبيخٍ أو شِوَاءٍ
وقوله: «بالفِناء» _بكسر الفاء_: المكان المتَّسع أمام الدَّار، و«اللَّبَّات» جمعُ لبَّةٍ؛ وهي المنحر، و«ضرِّجهنَّ» أمرٌ، من التَّضريج _بالضَّاد المعجمة والجيم_: التَّدمية، و«أطايب الجزور»: السَّنام والكبد، و«الشَّرب» _بفتح الشِّين المعجمة_: الجماعة يشربون الخمر، و«قديرًا» منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ لقوله: «وعجِّل»، والقديرُ: المطبوخ في القِدر (فَثَارَ) بالمُثلَّثة، أي: قام بنهضةٍ (إِلَيْهِمَا) أي: إلى الشَّارفين (حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ) لمَّا سمع ما قالته [9] القينة [10] (فَجَبَّ) بالجيم والموحَّدة المُشدَّدة: قطع (أَسْنِمَتَهُمَا) جمع سنامٍ، فهو على حدِّ: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التَّحريم: 4] إذ المراد: قلباكما، والسَّنام: ما علا ظهر البعير (وَبَقَرَ) بالمُوحَّدة والقاف، أي: شقَّ (خَوَاصِرَهُمَا) أي: خصريهما [11] (ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا) لأنَّ السَّنام والكبد أطايب الجزور عند العرب، قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لاِبْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ: (وَمِنَ السَّنَامِ) بفتح السِّين، أي: أخذ منه؟ (قَالَ: قَدْ جَبَّ) قطع [12] (أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا) جمع الضَّمير على لفظ الأسنمة، وهذه الجملة مُدرَجةٌ من قول ابن جريجٍ.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ) بفتح الميم
ج4ص209
والمعجمة (أَفْظَعَنِي) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الظَّاء المعجمة والعين المهملة، أي: خوَّفني لتضرُّره بتأخُّر الابتناء بفاطمة رضي الله عنها بسبب فوات ما يستعين به، قال: (فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ) حِبُّه عليه الصلاة والسلام (فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَخَرَجَ) عليه الصلاة والسلام (وَمَعَهُ زَيْدٌ) حِبُّه (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ) البيت الذي هو فيه (فَتَغَيَّظَ) أي: أظهر عليه الصلاة والسلام الغيظ (عَلَيْهِ، فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ وَقَالَ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لآبَائِي)؟ أراد به التَّفاخر عليهم بأنَّه أقرب إلى عبد المطَّلب ومَنْ فوقه؛ لأنَّ عبد الله أبا النَّبيِّ [13] صلى الله عليه وسلم وأبا طالبٍ عمَّه كانا كالعبدين لعبد المطَّلب في الخضوع؛ لحرمته وجواز تصرُّفه في مالهما، وقد قاله قبل تحريم الخمر فلم [14] يُؤاخَذ به (فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) حال كونه (يُقَهْقِرُ) أي: إلى ورائه، زاد في آخر «الجهاد» [خ¦3091]: القهقرى [15]، ووجهه لحمزة خشية أن يزداد عيبه في حال سكره، فينتقل من القول إلى الفعل، فأراد أن يكون ما يقع منه بمرأىً منه؛ ليدفعه إن وقع منه شيءٌ، وعند ابن أبي شيبة: أنَّه أَغْرَمَ حمزةَ ثمنهما، ومحلُّ النَّهي عن القهقرى إن لم يكن عذرٌ [16] (حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ) أي: عن حمزة ومن معه (وَذَلِكَ) أي: المذكور من هذه القصَّة (قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ) فلذلك عَذَرَهُ صلى الله عليه وسلم فيما قال وفعل، ولم يؤاخذه رضي الله عنه.
وموضع التَّرجمة منه قوله: «وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرًا لأبيعه» فإنَّه دالٌّ على ما ترجم به من جواز الاحتطاب والاحتشاش، والحديث قد سبق بعضه في «باب ما قيل في الصَّوَّاغ» من «كتاب البيوع» [خ¦2089] ويأتي _إن شاء الله تعالى_ في «المغازي» [خ¦4003] [17] و«اللِّباس» [خ¦5793] و«الخُمُس» [خ¦3091بعد]، وقد أخرجه مسلمٌ وأبو داود، واستُنبِط منه فوائد كثيرةٌ تأتي _إن شاء الله تعالى_ في محالِّها، والله الموفِّق والمعين.
ج4ص210


[1] «هو ابن يوسف»: ليس في (د).
[2] في (د): «اليمنيُّ».
[3] في (د): «الذَّال المعجمة... المعجمة».
[4] في (د): «واحده».
[5] في (د1) و(ب) و(س): «الصِّياغة»، وفي (ص): «الصَّاغة».
[6] في (د): «الكشميهينيِّ»، والمثبت موافقٌ لما في هامش «اليونينيَّة».
[7] في (ب): «يتعلَّق».
[8] في (ب): «قديدًا»، ولعلَّه تحريفٌ، وكذا في المواضع اللَّاحقة.
[9] في (ب) و(س): «مقالة».
[10] في (د): «المغنِّية».
[11] في غير (ب) و(س) و(ل): «خصراهما».
[12] «قطع»: ليس في (د) و(ص) و(م).
[13] في (ل): «أب النَّبيِّ»، وفي هامشها: (قوله: «أب النَّبيِّ» كذا وقع في خطِّ الشَّيخ بدون ألف، والأَولى «أبا» بإثباتها؛ لأنَّه بدل من «عبدَ الله»). انتهى.
[14] في (د): «فلا».
[15] قوله «القهقرى» زيادة لا بدَّ منها.
[16] قوله: «زاد في آخر الجهاد... إن لم يكن عذرٌ» مثبتٌ من (ب) و(س).
[17] زيد في (د) و(ص): «والبيوع»، وهو تكرارٌ.