إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم

2368- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثني)) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ بفتح النُّون، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين، ابن راشدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة فيهما، ابن المطَّلب بن أبي وداعة، السَّهميِّ الكوفيِّ (يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ) قال صاحب «الكواكب»: كلٌّ منهما مزيدٌ ومزيدٌ عليه باعتبارين (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ) هاجر (لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ) لمَّا ضرب جبريلُ موضعها بعقبه حتَّى ظهر ماؤها، ولم تحوِّضه (أَوْ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ) إلى القربة، والشَّكُّ من الرَّاوي (لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا) بفتح الميم، أي: ظاهرًا جاريًا على وجه الأرض؛ لأنَّ ظهورها نعمةٌ من الله [1] محضةٌ بغير عمل عاملٍ، فلمَّا خالطها تحويض هاجر دَاخَلَها كسبُ البشر، فقَصُرَت على ذلك (وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ) بضمِّ الجيم وسكون الرَّاء: حيٌّ من اليمن، وهو ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوحٍ (فَقَالُوا) لأُمِّ إسماعيل: (أَتَأْذَنِينَ) لنا (أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ) بفتح العين، وفي لغة كنانة وهُذَيلٍ كسرها، وهي حرف تصديقٍ ووعدٍ وإعلامٍ، فالأوَّل بعد الخبر؛ كـ «قام زيدٌ» أو «ما قام زيدٌ»، والثَّاني بعد «اِفعل»و «لا تفعل» وما في معناهما؛ نحو: هلَّا تفعل وهلَّا لم تفعل [2]، وبعد الاستفهام في نحو: هل تعطيني؟ والثَّالث المتعيِّن بعد الاستفهام في نحو: هل جاءك زيدٌ، ونحو: {فَهَلْ وَجَدتُم مَا وَعَدَ رَبُّكُم حَقًّا} [الأعراف: 44]،
ج4ص204
ولم يذكر سيبويه معنى الإعلام ألبتَّة، بل قال: وأمَّا «نَعَمْ» فعدة وتصديق، وأما «بلى» فيوجب بها بعد النفي، وكأنه رأى أنه إذا قيل: هل قام زيد؟ فقيل: نعم فهي لتصديق ما بعد الاستفهام، والأولى ما ذكرناه من أنَّها للإعلام؛ إذ لا يصحُّ أن يُقال [3] لقائل ذلك: صدقت؛ لأنَّه إنشاءٌ لا خبرٌ، وليعلم أنَّه إذا قيل: قامَ زيدٌ؛ فتصديقه «نَعَمْ»، وتكذيبه «لا» ويمتنع دخول «بلى» لعدم النَّفي، وإذا قيل [4]: ما قام زيدٌ؛ فتصديقه «نعم»، وتكذيبه «بلى»، ومنه: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى} [التَّغابن: 7] ويمتنع دخول «لا»؛ لأنَّها لنفي الإثبات لا لنفي النَّفي، وإذا قيل: أقام زيدٌ؟ فهو مثل: قام زيدٌ؛ أعني: أنَّك إذا [5] أثبتَّ القيام؛ قلت: «نعم»، وإذا نفيته «لا»، ويمتنع دخول «بلى»، وإذا قيل: ألم يقم زيدٌ؟ فهو مثل [6]: لم يقم زيدٌ، فتقول إن أثبتَّ القيام «بلى»، ويمتنع دخول «لا»، وإن نفيته قلت: «نعم»، قال تعالى [7]: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] وعن ابن عبَّاسٍ أنَّه لو قيل: «نعم» في جواب: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} كان كفرًا، والحاصل: أنَّ «بلى» لا تأتي إلَّا بعد نفيٍ، وأنَّ «لا» [8] لا تأتي إلَّا بعد إيجابٍ، وأنَّ «نعم» تأتي بعدهما، وإنَّما جاز {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي} [الزُّمر: 59] مع أنَّه لم تتقدَّم أداة نفي؛ لأنَّ {لَو أَنَّ اللهَ هَدَانِي} [الزُّمر: 57] يدلُّ على نفي هدايته، ومعنى الجواب حينئذٍ: بلى قد هديتك بمجيء الآيات، أي: قد أرشدتك بذلك.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3364] والنَّسائيُّ في «المناقب».
ج4ص205


[1] «من الله»: ليس في (د).
[2] «وهلَّا لم تفعل»: ليس في (د).
[3] في (د): «يقول».
[4] قوله: «قامَ زيدٌ؛ فتصديقه ... وإذا قيل» سقط من (د).
[5] في (د): «إنْ»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[6] قوله: «ألم يقم زيدٌ؟ فهو مثل» سقط من (د).
[7] قوله: «قلت: نعم، قال تعالى»: سقط من (م)، وفيها: «في جواب».
[8] «لا»: سقط من (م).