إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق

2335- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا، وهو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ، المخزوميُّ المصريُّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) يسارٍ الأمويِّ القرشيِّ المصريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبي [1] الأسود، يتيم عروة بن الزُّبير (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا) بفتح الهمزة والميم من الثُّلاثيِّ المزيد، قال عياضٌ: كذا رواه أصحاب البخاريِّ، والصَّواب: «من عَمَر» من الثُّلاثيِّ، قال الله تعالى: {وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الرُّوم: 9] إلَّا أن يريد أنَّه جَعَلَ فيها عَمَارًا، وقال ابن بطَّالٍ: ويمكن أن يكون أصله من اعتمر أرضًا: اتَّخذها، وسقطت التَّاء من الأصل، قال في «المصابيح»: وهذا ردٌّ لاتِّفاق الرُّواة بمُجرَّد احتمالٍ يجوز أن يكون وألَّا يكون، وأكثر ما يعتمد هو وغيره على مثل هذا، وأنا لا أرضى
ج4ص184
لأحدٍ أن يقع فيه. انتهى. وأُجيب: بأنَّ صاحب «العين» ذكر أنَّه يُقال: أعمرتُ الأرض، أي: وجدتُها عامرةً، ويُقال: أعمرَ اللهُ بك منزلكَ وعَمَرَ اللهُ بك منزلك [2]، وعُورِض: بأنَّ الجوهريَّ بعد أن ذكر «عمر الله بك منزلك» و«أعمر الله بك» ذكر أنَّه لا يُقال: أعمر الرَّجل منزله؛ بالألف، وقال الزَّركشيُّ: ضمُّ الهمزة أجود من الفتح، قال في «المصابيح»: يفتقر ذلك إلى ثبوت روايةٍ فيه، وظاهر كلام القاضي أنَّ جميع رواة البخاريِّ على الفتح. انتهى. وقد ثبت في الفرع وأصله [3] عن أبي ذرٍّ: ((أُعْمِر)) بضمِّ الهمزة وسكون العين وكسر الميم، أي: أعمره غيره، وكأنَّ المراد بالغير الإمام، والمعنى: من أعمر أرضًا (لَيْسَتْ لأَحَدٍ) بالإحياء (فَهْوَ أَحَقُّ) وحُذِف مُتعلَّق «أحقُّ» للعلم به، وعند الإسماعيليِّ: ((فهو أحقُّ بها)) أي: من غيره.
(قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام بالإسناد المذكور إليه: (قَضَى بِهِ) أي: بالحكم المذكور (عُمَرُ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ) وهذا مُرسَلٌ؛ لأنَّ عروة وُلِد في آخر [4] خلافة عمر، قاله خليفة، وما سبق أوَّل الباب عن عمر هو من قوله، وهذا من فعله، قال البيضاويُّ: مفهوم هذا الحديث: أنَّ مُجرَّد التَّحجُّر والإعلام لا يملك به، بل لا بدَّ من العمارة، وهي تختلف باختلاف المقاصد. انتهى. فمن شرع في الإحياء لمواتٍ من حفر أساسٍ وجمع ترابٍ ونحوهما ولم يتمَّه، أو نصب عليه علامةً للإحياء كغرز خشبةٍ؛ فهو متحجِّرٌ لا مالكٌ؛ لأنَّ سبب الملك الإحياء، ولم يوجد، ولو تحجَّر فوق كفايته، أو ما يعجز عن إحيائه؛ فلغيره إحياء الزَّائد، فإن تحجَّر ولم يَعْمُر بلا عذرٍ أمره الإمام بالإحياء أو برفع [5] يده عنه؛ لأنَّه ضيَّق على النَّاس في حقٍّ مشتركٍ فيُمنَع من ذلك، وأمهله مدَّةً قريبةً يستعدُّ فيها للعِمَارة بحسب ما يراه، فإن مضت مدَّة المهلة ولم يَعْمُر؛ بطل حقُّه، ولو بادر أجنبيٌّ فأحيا مُتحجَّرًا الآخر؛ مَلَكَه وإن لم يأذن له الإمام، وقال الحنفيَّة: ومن حَجَّر أرضًا ولم يَعْمُرها ثلاث سنين دُفِعت إلى غيره؛ لقول عمر رضي الله عنه: ليس لمتحجِّرٍ بعد ثلاث سنين حقٌّ، ولو أحياها غيره قبل انقضاء هذا المدَّة ملكها؛ لأنَّ الأوَّل كان مستحقًّا لها من جهة التَّعلُّق لا من جهة التَّملُّك؛ كما في السَّوم على سوم غيره.
وهذا الحديث من أفراد المصنِّف [6]، ونصف إسناده الأوَّل مصريُّون _بالميم_ والثَّاني مدنيُّون.
ج4ص185


[1] في (د): «ابن»، وكلاهما صحيحٌ.
[2] «منزلك»: ليس في (د).
[3] «وأصله»: ليس في (د) و(م).
[4] «آخر»: مثبتٌ من (د).
[5] في غير (د): «يرفع».
[6] في (د): «المؤلِّف».