إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش

2488- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ) بفتحتين، ابن ظَبْيان _بفتح المُعجَمة وسكون المُوحَّدة_ المروزيُّ (الأَنْصَارِيُّ) المُؤدِّب قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) بن عديٍّ، والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) بفتح العين المهملة وتخفيف المُوحَّدة وبعد الألف مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مفتوحةٌ، و«رِفاعة» بكسر الرَّاء (بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وآخره جيمٌ (عَنْ جَدِّهِ) رافع بن خديجٍ رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم بِذِي الْحُلَيْفَةِ) زاد مسلمٌ كالمؤلِّف في «باب من عَدَلَ عشرًا من الغنم بجَزُورٍ» [خ¦2507] من تهامة وهو يردُّ على النَّوويِّ؛ حيث قال تبعًا للقابسيِّ: إنَّه المُهَلُّ الذي بقرب المدينة، قال السَّفاقسيُّ: وكان ذلك سنة ثمانٍ من الهجرة في قصَّة [1] حُنينٍ (فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إِبِلًا وَغَنَمًا) بكسر الهمزة والمُوحَّدة، لا واحد له من لفظه، بل واحدُه بعيرٌ (قَالَ) رافعٌ: (وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ) بضمِّ الهمزة؛ للرِّفق بهم وحمل المنقطع (فَعَجِلُوا) بكسر الجيم، وفي الفرع بفتحها، ولم يضبطها في «اليونينيَّة» [2] (وَذَبَحُوا) مما أصابوه (وَنَصَبُوا الْقُدُورَ) بعد أن وضعوا اللَّحم فيها للطَّبخ (فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم بِالْقُدُورِ) أن تُكفَأ (فَأُكْفِئَتْ) بضمِّ الهمزة الأولى، أي: أُمِيلت ليُفرَّغ ما فيها، يُقال: كفأت الإناء وأكفأته؛ إذا أملته، وإنَّما أُكفِئت لأنَّهم ذبحوا الغنم قبل أن تُقسَم، ولم يكن لهم ذلك، وقال النَّوويُّ: لأنَّهم كانوا قد انتهوا إلى دار
ج4ص284
الإسلام، والمحلِّ الذي لا يجوز الأكل فيه من مال الغنيمة المشتركة، فإنَّ الأكل منها قبل القسمة إنَّما يُباح في دار الحرب، والمأمور به من الإراقة إنَّما هو إتلاف المرق عقوبةً لهم، وأمَّا اللَّحم فلم يتلفوه، بل يُحمَل على أنَّه جُمِع ورُدَّ إلى المغنم، ولا يُظَنُّ بأنَّه أتلف مال الغانمين؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال، نعم في «سنن أبي داود» بسندٍ جيَّدٍ: أنَّه صلى الله عليه وسلم أكفأ القدور بقوسه، ثمَّ جعل يُرمِّلُ [3] اللَّحم بالتُّراب، ثمَّ قال: «إنَّ النُّهْبَةَ ليست بأحلَّ من الميتة، أو إنَّ الميتة ليست بأحلَّ من النُّهبة»، شكَّ هَنَّادٌ أحد رواته، وقد يُجاب: بأنَّه لا يلزم من ترميله إتلافه؛ لإمكان تداركه بالغسل، لكنَّه بعيدٌ، ويحتمل أنَّ فعله صلى الله عليه وسلم ذلك لأنَّه أبلغُ في الزَّجر، ولو ردَّها إلى المغنم لم يكن فيه كبيرُ زجرٍ؛ إذ ما ينوب الواحد منهم في ذلك نزرٌ يسيرٌ، فكان إفسادُها عليهم مع تعلُّق قلوبهم بها وغلبة شهواتهم أبلغَ في الزَّجر.
(ثُمَّ قَسَمَ) عليه الصلاة والسلام (فَعَدَلَ) بتخفيف الدَّال (عَشْرَةً) بإثبات تاء التَّأنيث في أصل أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر، والأصل المسموع على أبي الوقت بقراءة الحافظ ابن السَّمعاني، لكن قال ابن مالكٍ: لا يجوز إثباتها، فالصَّواب: فعدل عشرًا (مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ) أي: سوَّاها به، وهو محمولٌ على أنَّه كان بحسب قيمتها يومئذٍ، ولا يخالف هذا قاعدة الأضحية من إقامة بعيرٍ مقام سبع شياهٍ؛ لأنَّه الغالب في قيمة الشِّياه والإبل المعتدلة، وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى (فَنَدَّ) بفتح النُّون وتشديد الدَّال المُهمَلة، أي: هرب وشرد (مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ) أي: أعجزهم (وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ) أي: قليلةٌ (فَأَهْوَى) أي: مال وقصد (رَجُلٌ مِنْهُمْ) إليه (بِسَهْمٍ) أي: فرماه به (فَحَبَسَهُ اللهُ) أي: بذلك السَّهم (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ) أي: الإبل (أَوَابِدَ) جمع آبدةٍ _بالمدِّ وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة_ أي: نوافرَ وشواردَ (كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا؛ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) أي: ارموه بالسَّهم كالصَّيد، قال عباية ابن رفاعة: (فَقَالَ جَدِّي) رافعُ بن خديجٍ: (إِنَّا نَرْجُو _أَوْ) قال: (نَخَافُ_ الْعَدُوَّ غَدًا) والشَّكُّ من الرَّاوي، والرَّجاء هنا بمعنى: الخوف [4] (وَلَيْسَتْ مُدًى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: ((وليست معنا مُدًى))، وللحَمُّويي والمُستملي: ((وليست لنا مُدًى))، وهي [5] بضمِّ الميم وبالدَّال المهملة، مقصورٌ مُنوَّنٌ، جمع مدْيةٍ _مُثلَّث الميم_: سكِّين، أي: وإن استعملنا السُّيوف في الذَّبائح [6]؛ تكلُّ وتعجز عند لقاء العدوِّ عن المُقاتَلة بها (أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟) ولمسلمٍ: فنُذَكِّي باللِّيْط _بكسر اللَّام وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وبالطَّاء المهملة_: قطع القصب أو قشوره (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) أي: صبَّه بكثرةٍ، وهو مُشبَّهٌ بجري الماء في النَّهر، وكلمة «ما» موصولةٌ مبتدأٌ، والخبر: «فكلوه»، أو شرطيَّةٌ، والفاء جواب الشَّرط، وقال البرماويُّ كالزَّركشيِّ: ‏ورُوِي بالزَّاي، حكاه القاضي عياضٌ، وهو غريبٌ، قال في «المصابيح»: وهذا [7] تحريف في النَّقل، فإنَّ القاضي قال في «المشارق»: ووقع للأَصيليِّ في «كتاب الصَّيد»: ((أنهز [8] ) ) بالزَّاي، وليس بشيءٍ، والصَّواب ما لغيره: ((أنهر))، أي: بالرَّاء؛ كما في سائر المواضع، فالقاضي إنَّما حكى هذا عن الأَصيليِّ في «كتاب الصَّيد» لا في المكان الذي نحن فيه، وهو «كتاب الشَّركة»، وكلام الزَّركشيِّ ظاهرٌ في روايته في هذا المحلِّ الخاصِّ، وهو تحريفٌ بلا شكٍّ. انتهى.
(وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ) هذا تمسَّكَ به من اشترط التَّسمية عند الذَّبح، وهم المالكيَّة والحنفيَّة، فإنَّه علَّق الإذن في الأكل بمجموع أمرين، والمُعلَّق على شيئين ينتفي بانتفاء أحدهما، وأجاب أصحابنا الشَّافعيَّة: بأنَّ هذا مُعارَضٌ بحديث عائشة رضي الله عنها [خ¦2057]: أنَّ قومًا قالوا: إنَّ قومًا يأتوننا باللَّحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سمُّوا أنتم وكلوا»، فهو محمولٌ على الاستحباب، وبقيَّة مباحث ذلك تأتي _إن شاء الله تعالى_ في «كتاب الصَّيد والذَّبائح» [خ¦5543].
قال العلاَّمة البدر الدَّمامينيُّ، فإن قلت: الضَّمير من قوله: «فكلوه» لا يعود على «ما»؛ لأنَّها عبارةٌ عن آلة التَّذكية، وهي لا تُؤكَل، فعلى ماذا يعود؟ وأجاب: بأنَّه يعود على المُذكَّى المفهوم من الكلام؛ لأنَّ إنهارَ الآلةِ للدَّم يدلُّ على شيءٍ أُنهِر دمه ضرورةً،
ج4ص285
وهو المُذكَّى، ولكن لا بدَّ من رابطٍ يعود على «ما» من الجملة، أو ملابسها، فيُقدَّر محذوف الملابس [9]، أي: فكلوا مذبوحه، أو يُقدَّر [10] ذلك مضافًا إلى «ما»، ولكنَّه حُذِف، فالتَّقدير: مذبوحُ ما أنهر الدَّم وذُكِر اسم الله عليه فكلوه، فإن قلت: يلزم عدم الارتباط حينئذٍ؛ وأجاب: بأنَّ الرَّبط حاصلٌ، قال: وذلك أنَّا [11] نقدِّر التَّركيب هكذا: ما أنهر الدَّم وذُكِر اسم الله عليه [12] على مُذكَّاه؛ فكلوا، فالضَّمير عائدٌ على [13] ملتبسٍ، فحصل الرَّبط، وقد قال الكسائيُّ وتبعه ابن مالكٍ في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 234] إنَّ {الَّذِينَ} مبتدأٌ، و{يَتَرَبَّصْنَ} الخبر، والأصل: يتربَّص أزواجهم، ثمَّ جيء بالضَّمير مكان الأزواج لتقدُّم ذكرهنَّ، فامتنع ذكر الضَّمير؛ لأنَّ النُّون لا تُضاف لكونها ضميرًا، وجعل الرَّبط بالضَّمير القائم مقام الظَّاهر المضاف إلى الضَّمير، وهذا مثل مسألتنا.
(لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) قال الزَّركشيُّ والبرماويُّ والكرمانيُّ والعينيُّ: «ليس» هنا للاستثناء بمعنى «إلَّا»، وما بعدها نُصِب على الاستثناء، قال في «المصابيح»: الصَّحيح أنَّها ناسخةٌ، وأنَّ اسمها ضميرٌ راجعٌ للبعض المفهوم ممَّا تقدَّم، واستتاره واجبٌ، فلا يليها في اللَّفظ إلَّا المنصوب (وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ) أي: سأبيِّن لكم علَّته وحكمته لتتفقَّهوا [14] في الدِّين (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) لا يقطع غالبًا، وإنَّما يجرح ويدمي، فتزهق النَّفس من غير تيقُّن الذَّكاة، وهذا يدلُّ على أنَّ النَّهي عن الذَّكاة بالعظم كان متقدِّمًا، فأحال بهذا القول على معلومٍ قد سبق، قال ابن الصَّلاح: ولم أجد بعد البحث أحدًا ذكر ذلك بمعنىً يُعقَل، قال: وكأنَّه عندهم تعبُّديٌّ، وكذا نُقِل عن الشَّيخ عزِّ الدِّين بن عبد السَّلام أنَّه قال: للشَّرع عِلَلٌ تُعبِّد بها، كما أنَّ له أحكامًا تُعبِّد بها، أي: وهذا منها، وقال النَّوويُّ: المعنى: لا تذبحوا بالعظام؛ لأنَّها تنجس بالدَّم، وقد نُهِيتم عن تنجيس العظام في الاستنجاء؛ لكونها زاد إخوانكم من الجنِّ. انتهى. قال في «جمع العدَّة»: وهو ظاهرٌ.
(وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ) ولا يجوز التَّشبُّه بهم ولا بشعارهم؛ لأنَّهم كفَّارٌ وهم يدمون المذبح بأظفارهم حتَّى تزهق النَّفس خنقًا وتعذيبًا، ويحلُّونها محلَّ الذَّكاة؛ فلذلك ضرب المثل بهم، والألف واللَّام في «الظُّفر» للجنس؛ فلذلك وصفها بالجمع، ونظيره قولهم: أهلك النَّاس الدِّرهم البيض والدِّينار الصُّفر، قال النَّوويُّ: ويدخل فيه ظفر الآدميِّ وغيره متَّصلًا ومنفصلًا، طاهرًا أو نجسًا، وكذا السِّنُّ، وجوَّزه [15] أبو حنيفة وصاحباه بالمنفصلين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الشَّركة» [خ¦2507] و«الجهاد» [خ¦3075] و«الذَّبائح» [خ¦5498]، ومسلمٌ في «الأضاحي»، وأبو داود في «الذَّبائح»، والتِّرمذيُّ في «الصَّيد» و«الأضاحي»، وابن ماجه في «الأضاحي» و«الذَّبائح».
ج4ص286


[1] في (ب) و(د1) و(س): «قضيَّة».
[2] قوله: «وفي الفرع: بفتحها، ولم يضبطها في اليونينيَّة»: ليس في (د1) و(م).
[3] في جميع النُّسخ: «يزبِّل»، ولعلَّه تحريفٌ، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[4] قوله: «والشَّكُّ من الرَّاوي، والرَّجاء هنا بمعنى: الخوف» ليس في (د1) و(م).
[5] في (ب) و(س): «وهو».
[6] في (د1) و(م): «الذَّابح»، وهو تحريفٌ.
[7] في (د): «وهو».
[8] زيد في (د1): «الدَّم».
[9] في (د) و(س): «ملابسٍ».
[10] في (م): «تقدير».
[11] في (د): «أن».
[12] «عليه»: ليس في (م).
[13] زيد في (ب): «ما».
[14] في (د): «لتتفهَّموا»، وفي نسخةٍ كالمثبت.
[15] في (ب): «وجوَّز».