إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث ابن عوف: كاتبت أمية بن خلف كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي

2301- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ الأويسيُّ المدنيُّ الأعرج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد [1] (يُوسُفُ بْنُ الْمَاجشُونِ) بكسر الجيم وتُفتَح [2]، وبضمِّ الشِّين المعجمة وبعد الواو السَّاكنة نونٌ مكسورةٌ، ومعناه: المُورَّد، واسمه: يعقوب بن عبد الله ابن أبي سلمة المدنيُّ (عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) القرشيِّ (عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم (عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) بضمِّ الهمزة وتخفيف الميم المفتوحة وتشديد التَّحتيَّة، أي: كتبتُ إليه (كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ) بصادٍ مهملةٍ وغينٍ معجمةٍ: مالي، أو حاشيتي، أو أهلي، ومن يصغي إليه، أي: يميل إليه (وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ) قال ابن حجر:، أي: لا أعترف بتوحيده، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا لا يقتضيه قوله: «لا أعرف الرَّحمن»، وإنَّما معناه: أنَّه [3] لمَّا كتب إليه [4]؛ ذكر اسمه بعبد الرَّحمن فقال: ما أعرف الرَّحمن [5] الذي جعلتَ نفسَك عبدًا له [6]، ألا ترى أنَّه قال: (كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ عَبْدُ عَمْرٍو) بفتح العين ورفع «عبد» كذا في الفرع، وفي غيره: ((عبدَ)) بالنَّصب على المفعوليَّة (فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ) غزوة (بَدْرٍ) في رمضان في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وسقط الجارُّ [7] لأبي ذرٍّ (خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لأُحْرِزَهُ) بضمِّ الهمزة، أي: لأحفظه، والضَّمير المنصوب لأميَّة، وفي نسخةٍ: ((لأحذره)) [8] (حِينَ نَامَ النَّاسُ) أي: حين غفلتهم بالنَّوم لأصون دمه (فَأَبْصَرَهُ) أي: أميَّة بن خلفٍ (بِلَالٌ) المؤذِّن، وكان أميَّة يعذِّب بلالًا بمكَّة _لأجل إسلامه_ عذابًا شديدًا (فَخَرَجَ) بلالٌ (حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ) ولأبي ذرٍّ: ((على مجلس الأنصار))، فأسقط حرف الجرِّ (فَقَالَ): دونكم، أو [9] الزموا (أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) وفي الفرع وأصله: تضبيبٌ على «أميَّة» [10]، ولأبي ذرٍّ: ((أميَّةُ بن خلفٍ)) بالرَّفع،، أي: هذا أميَّةُ ابن خلفٍ (لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا؛ خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ) عليًّا (لأَشْغَلَهُمْ) بفتح الهمزة، وقيل بضمِّها، من الإشغال، ولأبي ذرٍّ: ((لنشغلهم)) بنون الجمع، وفي نسخة الميدوميِّ: ((يشغلهم)) بإسقاط اللَّام وبالياء بدل النُّون أو الهمزة، عن أميَّة بابنه (فَقَتَلُوهُ) أي: الابن، والذي قتله قيل: هو عمَّار بن ياسرٍ (ثُمَّ أَبَوْا) بالمُوحَّدة، أي: امتنعوا، وفي نسخةٍ: ((أتوا)) [11] بالمُثنَّاة الفوقيَّة، من الإتيان (حَتَّى يَتْبَعُونَا وَكَانَ) أميَّة (رَجُلًا ثَقِيلًا) ضخم الجثَّة (فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ) لأميَّة: (ابْرُكْ فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لأَمْنَعَهُ) منهم، وإنَّما فعل عبد الرَّحمن ذلك؛ لأنَّه كان بينه وبين أميَّة بمكَّة صداقةٌ وعهدٌ، فقصد [12] أن يفي بالعهد (فَتَخَلَّلُوهُ) بالخاء المعجمة (بِالسُّيُوفِ) أي: أدخلوا أسيافهم خلاله حتَّى وصلوا إليه وطعنوا بها (مِنْ تَحْتِي) من قولهم: خلَّلته بالرُّمح وأخللته؛ إذا طعنته به، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: ((فتحلَّلوه)) بالحاء المهملة؛ كما في الفرع وأصله، وفي روايةٍ: ((فتجلَّلوه)) [13]؛ بالجيم، أي: غَشَوْه بالسُّيوف، ونسب هذه في «فتح الباري» للأَصيليِّ وأبي ذرٍّ، قال: ولغيرهما بالخاء المعجمة، قال: ووقع في رواية المُستملي: ((فَتَخَلَّوه))؛ بلامٍ واحدةٍ مُشدَّدةٍ. انتهى. والأُوْلَى أظهر من جهة المعنى؛ لقول عبد الرَّحمن بن عوفٍ: فألقيت عليه نفسي، فكأنَّهم أدخلوا سيوفهم من تحته، كما مرَّ.
(حَتَّى قَتَلُوهُ) والذي قتله رجلٌ من الأنصار من بني مازنٍ، وقال ابن هشامٍ: ويُقال: قتله معاذ بن عفراء وخارجة بن زيدٍ وخُبَيب بن أسافٍ اشتركوا في قتله، وفي «مُستخرَج الحاكم» ما يدلُّ على أنَّ رفاعة بن رافعٍ الزُّرقيَّ من جملة المشاركين في قتله [14]، وفي «مُختصَر الاستيعاب»: أنَّ قاتله بلالٌ (وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ) أي: الذين باشروا قتل أميَّة (رِجْلِي بِسَيْفِهِ) وكان الذي أصاب رِجله الحُبَاب بن المنذر، كما عند
ج4ص156
البلاذريِّ (وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (سَمِعَ يُوسُفُ) بن الماجشُون (صَالِحًا) هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (وَ) سمع (إِبْرَاهِيمُ أَبَاُه) وفائدة ذلك: تحقيق السَّماع، وسقط قوله «قال أبو عبد الله...» إلى آخره في رواية غير المُستملي.
ورجال هذا الحديث مدنيون، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦3971] مختصرًا.
ج4ص157


[1] «بالإفراد»: ليس في (د).
[2] في (د): «وفتحها».
[3] «معناه أنَّه»: ليس في (ص) و(م).
[4] في (ب) و(س): «له».
[5] «الرَّحمن»: ليس في (د) و(ص) و(م).
[6] في هامش (ص): (قال في «انتقاض الاعتراض»: قال «ع»: هذا لا يقتضيه قوله: «لا أعرف الرَّحمن»، ألا ترى أنَّه قال: «كاتِبْني باسمك الذي كان في الجاهليَّة»، فكأنَّه قال: لا أعرف الذي جعلت نفسك عبدًا له، قلت: نعم، ولازِمُه أنَّه لا يعبده في عبادته؛ لأنَّه لا يعترف بتوحيده). انتهى.
[7] في (د): «في الجاهليَّة»، وليس بصحيحٍ.
[8] «وفي نسخةٍ: لأحذَّره»: سقط من (د).
[9] في (ص): «أي».
[10] قوله: «وفي الفرع وأصله: تضبيبٌ على أميَّة» جاء في (د) سابقًا بعد قوله: «المنصوب لأميَّة».
[11] «أتوا»: ليس في (د).
[12] «فقصد»: ليس في (د).
[13] قوله: «والمُسْتملي: فتحلَّلوه؛ بالحاء المهملة؛ كما في الفرع وأصله، وفي روايةٍ: فتجلَّلوه»: ليس في (م).
[14] قوله: «وفي مُستخرَج الحاكم... في قتله»: ليس في (ص). والذي في المستدرك عن رفاعة بن رافع بن مالك عن أبيه قال: لما كان يوم بدر تجمع الناس... «فالقاتل هو رافع بن مالك، والد رفاعة».