إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين

2307- 2308- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء اسم جدِّه [1]، واسم [2] أبيه [3] كثيرٌ، ونسبه لجدِّه لشهرته به (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين
ج4ص159
وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام، والواو عطفٌ على محذوفٍ، وقول الحافظ ابن حجرٍ: _إنَّه معطوفٌ على قصَّة الحديبية_ لم أعرف له وجهًا فليُنظَر، والزَّعم هنا بمعنى: القول المُحقَّق كما قاله الكرمانيُّ، وفي «كتاب الأحكام» [خ¦7176] [خ¦7177]: عن موسى ابن عقبة قال [4] ابن شهابٍ: حدَّثني عروة بن الزُّبير: (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ) بن أبي العاص، الأمويَّ، ابن عمِّ عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، وُلِد بعد الهجرة بسنتين أو بأربعٍ [5]، قال ابن أبي داود [6]: لا ندري أسمع من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شيئًا أم لا، قال في «الإصابة»: ولم أرَ من جزم بصحبته، فكأنَّه لم يكن حينئذٍ مميِّزًا، ولم يثبت له أَزْيَد من الرُّؤية، وأرسل عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة وفتح الواو، و«مَخْرَمة»: بفتح الميم والرَّاء بينهما خاءٌ معجمةٌ ساكنةٌ، ابن نوفلٍ الزُّهريَّ، وكان مولده بعد الهجرة بسنتين فيما قاله يحيى ابن بُكَيرٍ، وقدم المدينة في ذي الحجَّة بعد الفتح سنة ثمانٍ وهو ابن ستِّ سنين، وقال البغويُّ: حفظ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أحاديث، وحديثه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في خطبة عليٍّ لابنة أبي جهل في «الصَّحيحين» [خ¦3110] وغيرهما (أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) ظاهره: أنَّ مروان بن الحكم والمِسور بن مَخرمة حضرا ذلك، لكنَّ مروان لا يصحُّ له سماعٌ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا صحبة، وأمَّا المِسور فصحَّ [7] سماعه منه، لكنَّه إنَّما قدم مع أبيه وهو صغيرٌ بعد الفتح، وكانت هذه القصَّة بعده، لكنَّه كان في غزوة حنينٍ مميِّزًا، فقد ضبط في ذلك الأوان قصَّة [8] خطبة عليٍّ لابنة أبي جهلٍ (قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) حال كونهم (مُسْلِمِينَ) وكان فيهم تسعة نفرٍ من أشرافهم (فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ) وعند الواقديِّ: كان فيهم أبو برقان السَّعديُّ، فقال: يا رسول الله؛ إن في هذه الحظائر إلَّا أمَّهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك، فامنن علينا منَّ الله عليك (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ) رُفِعَ خبرُ قوله [9]: «أَحَبُّ» (فَاخْتَارُوا) أن أردَّ إليكم (إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ؛ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ) بالواو، ولأبوي [10] ذرٍّ والوقت: ((فقد)) (كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ) بهمزةٍ ساكنةٍ، لكنَّ موضع الهمزة في الفرع سكونٌ فقط من غير همزٍ [11]، أي: انتظرت (بكم) ولأبي ذرٍّ: ((بهم)) (وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم انْتَظَرَهُمْ) ليحضروا (بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) لم يقسم السَّبي [12] وتركه بالجِعْرَانة (حِينَ قَفَلَ) بفتح القاف والفاء، أي: رجع (مِنَ الطَّائِفِ) إلى الجِعْرَانة، فقسم الغنائم بها، وكان توجَّه إلى الطَّائف فحاصرها، ثمَّ رجع عنها فجاءه وفد هوازن بعد ذلك، فبيَّن لهم أنَّه أخَّر القسم ليحضروا فأبطأوا (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ) ظهر لوفد هوازن (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) المالَ أو السَّبيَ (قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا) وفي «مغازي» ابن عقبة: قالوا: خيَّرتنا يا رسول الله بين المال والحسب، فالحسب أحبُّ إلينا، ولا نتكلَّم في شاةٍ ولا بعيرٍ (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ) وفد هوازن (قَدْ جَاؤونَا) حال كونهم (تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ) هذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الوفد كانوا وكلاء شفعاء في ردِّ سبيهم (فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ) بضمِّ أوَّله وفتح الطَّاء وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة المكسورة، مضارع «طيَّب يطيِّب تطييبًا»، من باب «التَّفعيل»، ولأبي ذرٍّ: ((يَطِيب)) بفتح أوَّله وكسر ثانيه وسكون ثالثه، من الثُّلاثيِّ، من طاب يطيب، والمعنى: من أحبَّ أن يُطيِّب بدفع السَّبي إلى هوازن نفسَه مجَّانًا من غير عوضٍ (فَلْيَفْعَلْ) جواب «مَن» المتضمِّنة معنى الشَّرط؛ فلذا دخلت الفاء فيه (وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ [13] أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) أي: نصيبه من السَّبي (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ) أي: عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ) بضمِّ حرف المضارعة من أفاء يفيء، والفيء: ما يحصل للمسلمين من أموال الكفَّار من غير حربٍ ولا جهادٍ، وأصل الفيء: الرُّجوع، كأنَّه كان في الأصل لهم فرجع إليهم،
ج4ص160
ومنه قيل للظِّلِّ الذي بعد الزَّوال: فيءٌ؛ لأنَّه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشَّرق [14] (فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ) بتشديد التَّحتيَّة، أي: جعلناه طيِّبًا من حيث كونهم [15] رضوا بذلك وطابت أنفسهم [16] به (لِرَسُولِ اللهِ) أي: لأجله (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم لَهُمْ) ولأبي الوقت: ((قد طيَّبنا ذلك يا رسول الله لهم))، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «لهم» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا) بالواو على لغة: «أكلوني البراغيث»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((حتَّى يرفع)) (إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) جمع عريفٍ؛ وهو الذي يعرف أمور القوم، وهو النَّقيب ودون الرَّئيس، وأراد عليه الصلاة والسلام بذلك التَّقصِّي عن أمرهم استطابةً لنفوسهم (فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ) في ذلك، فطابت نفوسهم به (ثُمَّ رَجَعُوا) أي: العرفاء (إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ) أي: القوم [17] (قَدْ [18] طَيَّبُوا) ذلك (وَأَذِنُوا) لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردَّ السَّبي إليهم، وفيه أنَّ إقرار الوكيل عن موكِّله مقبولٌ؛ لأنَّ العرفاء بمنزلة الوكلاء فيما أُقيموا له من أمرهم، وبهذا قال أبو يوسف، وقيَّده أبو حنيفة ومحمَّدٌ بالحاكم، وقال الشَّافعيَّة: لا يصحُّ إقرار الوكيل عن [19] الموكِّل [20] بأن يقول: وكَّلتك لتُقِرَّ عنِّي لفلانٍ بكذا، فيقول الوكيل: أقررت عنه بكذا، أو جعلته مقرًّا بكذا؛ لأنَّه إخبارٌ عن حقٍّ، فلا يقبل التَّوكيل كالشَّهادة، لكنَّ التَّوكيل فيه إقرارٌ من الموكِّل لإشعاره بثبوت الحقِّ عليه، وقيل: ليس بإقرارٍ؛ كما أنَّ التَّوكيل بالإبراء ليس بإبراءٍ، ومحلُّ الخلاف إذا قال: وكَّلتك لتقرَّ عنِّي لفلانٍ بكذا، فلو قال: أَقِرَّ عنِّي لفلانٍ بألفٍ له عليَّ؛ كان إقرارًا مطلقًا [21]، ولو قال: أَقِرَّ له عليَّ بألفٍ؛ لم يكن إقرارًا قطعًا، صرَّح به صاحب التَّعجيز، وليس في الحديث حجَّةٌ لجواز الإقرار من الوكيل؛ لأنَّ العرفاء [22] ليسوا وكلاء، وإنَّما هم كالأمراء عليهم، فقبول قولهم في حقِّهم بمنزلة قبول قول الحاكم في حقِّ من هو حاكمٌ عليه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الخمس» [خ¦3131] [خ¦3132] و«المغازي» [خ¦4318] [خ¦4319] و«العتق» [خ¦2539] [خ¦2540] و«الهبة» [خ¦2607] [خ¦2608] و«الأحكام» [خ¦7176] [خ¦7177]، وأخرجه أبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير» بـ «قصَّة العرفاء» مختصرًا.
ج4ص161


[1] «اسم جدِّه»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (د) و(م): «واسمه»، وليس بصحيحٍ.
[3] «أبيه»: مثبتٌ من (ب) و(د1)و(س)، في هامش (ص): (قوله: «واسم كثيرٍ»، كذا بخطِّه، ولعلَّه سقط من خطِّه: واسم والد سعيدٍ كثيرٌ، قال في «التَّقريب»: سعيد بن كثير بن عُفَيرٍ، وقد يُنسَب إلى جدِّه). انتهى.
[4] في (د): «عن».
[5] في (د): «أربعٍ».
[6] في غير (ب) و(س): «ابن داود»، وفي هامش (ص): (قوله: «ابن داود» كذا بخطِّه، وصوابه: ابن أبي داود، كما في «الإصابة»، وعبارته: قال ابن شاهين: وسمعت ابن أبي داود يقول: وُلِد عام أحدٍ؛ يعني: سنة ثلاثٍ، قال ابن أبي داود: وكان في الفتح مميِّزًا وفي حجَّة الوداع، لكن لا ندري أسمع من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أم لا؟ انتهى. واسمُ ابن أبي داود عبدُ الله ابن الحافظ الكبير سليمان بن الأشعث السِّجستانيُّ، وُلِد سنة ثلاثٍ وخمسين ومئتين، كذا، وفي طبقات الحفاظ وغيره أنه ولد 230هـ، وتُوفِّي سنة ستَّ عشرةَ وثلاث مئةٍ). انتهى. «طبقات الحفاظ السُّيوطيِّ».
[7] في (ب) و(س): «فقد صحَّ».
[8] «قصَّة»: ليس في (م).
[9] «قوله»: ليس في (د).
[10] في غير (د): «ولأبي».
[11] قوله: «سكونٌ فقط من غير همزٍ» بدلًا منه في (م): «كشط».
[12] في غير (س): «النَّبيُّ»، وهو تحريفٌ.
[13] «منكم»: ليس في (م).
[14] في (د): «المغرب ، المشرق».
[15] في هامش (ص): (قوله: «من حيث كونهم»: «حيث» ظرف مكانٍ اتِّفاقًا، وقال الأخفش: قد ترد للزَّمان، قال الشَّاعر: [من المديد]
~للفتى عقلٌ يعيشُ به حيثُ تهدي ساقَهُ قَدَمُهْ
والغالب كونها في محلِّ نصبٍ على الظَّرفيَّة؛ نحو: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التَّوبة: 5]، أو خفضٍ بـ «من» نحو: {وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ} [البقرة: 149]، وتلزم «حيث» الإضافة إلى الجملة _، أي: غالبًا_ بدليل قوله: وندرت إضافتها إلى المفرد؛ كقوله: [من الطَّويل]
~ونطعنهم حيثُ الكُلَى بعد ضربِهم ببيض المواضي حيثُ ليِّ العمائمِ
ورأينا بخطِّ الضَّابطين قول الشَّاعر: [من الرَّجز]
~أَمَا ترى حيث سُهَيل طالعا
~نجمًا يضيء كالشِّهاب ساطعا
بفتح ثاء «حيثَ» وخفض «سهيلٍ»، و«حيثُ» بالضَّمِّ و«سهيلٌ» بالرَّفع، أي: موجودٌ، فحُذِف الخبر. انتهى «مغني»، هذه حيثيَّة تقييد؛ كقولهم: الإنسان من حيث إنَّه يصحُّ وتزول عنه الصحة موضوعُ الطبِّ). انتهى.
[16] في (ب) و(س): «نفوسهم».
[17] في (م): «الوفد».
[18] «قد»: ليس في (ص).
[19] في (د) و(م): «على».
[20] في (ب) و(س): «مُوكِّله».
[21] في (د): «قطعًا».
[22] في (د): «لأنَّهم».