إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن خياركم أحسنكم قضاءً

2305- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَلَمَةَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت زيادة: ((ابن كُهَيلٍ)) _بضمِّ الكاف وفتح الهاء_ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه [1] (قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) جملٌ له (سِنٌّ) مُعيَّنٌ [2] (مِنَ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ) أي: جاء الرَّجلُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (يَتَقَاضَاهُ) أي: يطلب أن يقضيه الجمل المذكور (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَعْطُوهُ) بفتح الهمزة، زاد في الباب اللَّاحق [خ¦2306]: «سِنًّا مثل سِنِّه»، وفيه: جواز توكيل الحاضر بالبلد بغير عذرٍ، وهو مذهب الجمهور، ومنعه أبو حنيفة إلَّا بعذر مرضٍ أو سفرٍ، أو برضا الخصم، واستثنى مالكٌ مَنْ بينه وبين الخصم عداوةٌ، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ هذا توكيلٌ منه عليه الصلاة والسلام لمن أمره بالقضاء عنه، ولم يكن عليه الصلاة والسلام مريضًا ولا غائبًا، وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ: وموضع التَّرجمة منه لوكالة الحاضر واضحٌ، وأمَّا الغائب فيُستفاد منه بطريق الأولى؛ فتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه ليس فيه شيءٌ يدلُّ على حكم الغائب فضلًا على [3] الأولويَّة، وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّ وجه الأولويَّة أنَّ وكالة الحاضر إذا جازت [4] مع إمكان مباشرة الموكِّل بنفسه؛ فجوازها للغائب مع الاحتياج إليه أَوْلى، فمن لا يدرك هذا القدر كيف يتصدَّى للاعتراض؟
(فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا) والمخاطب بذلك أبو رافعٍ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه مسلمٌ من [5] حديثه (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَعْطُوهُ، فَقَالَ) الرَّجل له
ج4ص158
عليه الصلاة والسلام: (أَوْفَيْتَنِي) أي: أعطيتني وافيًا (أَوْفَى اللهُ بِكَ) وحرف الجرِّ في المفعول زائدٌ للتَّوكيد؛ لأنَّ الأصل أن يقول: أوفاك الله (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) نُصِب على التَّمييز، و«أحسنُكم» خبرٌ لقوله: «خيارَكم» لكن استُشكِل كون المبتدأ بلفظ الجمع، والخبر بالإفراد، والأصل التَّطابق بين المبتدأ والخبر في الإفراد وغيره، وأُجيب: باحتمال أن يكون مفردًا بمعنى: المختار، وحينئذٍ فالمطابقة حاصلةٌ، أو أنَّ «أفعل» التَّفضيل المضاف لمقصودٍ به الزِّيادة يجوز فيه الإفراد، والمطابقة لمن هو له، والمراد: الخيريَّة في المعاملات، أو أنَّ «من» مُقدَّرةٌ؛ كما في الرِّواية الأخرى [خ¦2306].
وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الاستقراض» [خ¦2393] و«الوكالة» [خ¦2306] و«الهبة» [خ¦2606]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام».
ج4ص159


[1] «أنَّه»: ليس في (د).
[2] في هامش (ص) (ل): (قوله: «سنٌّ مُعيَّنٌ»: أسنان الإبل إلى عشر سنين: حُوارٌ، ثمَّ فصيلٌ، فإذا دخل في الثَّانية؛ فهو ابن مخاضٍ، فإذا دخل في الثَّالثة؛ فهو ابن لبونٍ، فإذا دخل في الرَّابعة؛ فهو حِقٌّ، فإذا دخل في الخامسة؛ فهو جَذعٌ، فإذا دخل في السَّادسة؛ فهو ثَنيٌّ، فإذا دخل في السَّابعة؛ فهو رَباعيٌّ، فإذا دخل في الثَّامنة؛ فهو سَدَسٌ، فإذا دخل في التَّاسعة؛ فهو بازلٌ، فإذا دخل في العاشرة؛ فهو مُخْلِفٌ، ثمَّ ليس له اسمٌ بعد ذلك، إنَّما يُقال له: بازلُ عامٍ، وبازل عامين، ومُخْلف عامٍ، ومُخْلف عامين إلى خمس سنين، حكاه أبو داود في «سننه» عن النَّضر بن شُمَيلٍ وأبي عبيدٍ الرِّياشيِّ). انتهى. «عيني» عليه.
[3] في (س): «عن».
[4] في (ص): «جاءت».
[5] في (ب): «في».