إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: قال كنت مع النبي في سفر فكنت على جمل ثفال

2309- وبه قال: (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشيرٍ [1] التَّميميُّ البلخيُّ أبو السَّكن قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ (وَغَيْرِهِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، حال كون الغير (يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: ليس جميع الحديث عند واحدٍ منهم بعينه، بل عند بعضهم ما ليس عند الآخر (وَ) الحال أنَّه (لَمْ يُبَلِّغْهُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه وكسر ثالثه مُشدَّدًا، أي: لم يبلِّغ الحديثَ (كُلُّهُمْ) بل بلَّغه (رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) قال في «الفتح»: وقد وقفتُ من تسمية من روى ابن جريجٍ عنه هذا الحديث عن جابرٍ على أبي الزُّبير، وقد تقدَّم في «الحجِّ» [خ¦1653قبل] شيءٌ من ذلك، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه ليس في «الحجِّ» شيءٌ من ذلك، وإنَّما الذي تقدَّم في «كتاب البيوع» في «باب شراء الدَّوابِّ والحمير» [خ¦2097] وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّ العينيَّ ظنَّ أنَّ المراد قصَّةُ جمل جابرٍ، وليس كذلك، وإنَّما المرادُ اللَّفظُ الواقع في السَّند الذي وقع الاختلاف فيه، فإنَّه قد [2] تقدَّم في «الحجِّ» بمتنٍ [3] آخر يتعلَّق [4] بالحجِّ قال: ولكنَّ هذا المعترض يهجم بالإنكار قبل أن يتأمَّل. انتهى. وكذا قال في المقدِّمة في «كتاب الوكالة»: إنَّه أبو الزُّبير، وإنَّه تقدَّم في «الحجِّ» [5]، وقد استوعبت ما ذكره في المقدِّمة في «الحجِّ» فلم أجد لذلك ذكرًا، فالله أعلم.
(قَالَ) أي [6]: جابرٌ: (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فِي سَفَرٍ) في غزوة الفتح؛ كما مرَّ في «البيع» [خ¦2097] (فَكُنْتُ) راكبًا (عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ) بمُثلَّثةٍ مفتوحةٍ _وكسرها هنا خطأٌ_ ففاءٍ خفيفةٍ فألفٍ فلامٍ، صفة لـ «جملٍ [7]» أي: بطيء السَّير (إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فَقَالَ: مَنْ هَذَا)؟ المتأخِّر عن النَّاس (قُلْتُ [8]: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ) عليه الصلاة والسلام:
ج4ص161
(مَا لَكَ) تأخَّرت؟ (قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَعْطِنِيهِ، فَأَعْطَيْتُهُ فَضَرَبَهُ) به (فَزَجَرَهُ، فَكَانَ) الجمل (مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ) الذي ضربه عليه الصلاة والسلام فيه [9] (مِنْ أَوَّلِ الْقَوْمِ) ببركته عليه الصلاة والسلام؛ حيث تبدَّل ضعفه بالقوَّة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (بِعْنِيهِ) أي: الجملَ (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: ((قال)) بدل «فقلت»: (بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ) عطيَّةً من غير ثمنٍ (قَالَ: بِعْنِيهِ) بالثَّمن، ولأبي ذرٍّ: ((قال: بل بعنيه)) (قَدْ أَخَذْتُهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((قال: قد أخذته)) (بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ) وفي «البيع» [خ¦2097]: فاشتراه منِّي بأوقيَّةٍ، فتُحمَل الأربعة دنانير [10] على [11] أنَّها كانت يومئذٍ أوقيَّةً، وقد اختلفت الرِّوايات في قدر الثَّمن الذي وقع به البيع، واضطربت في ذلك اضطرابًا لا يقبل التَّلفيق، وتكلُّف الجمعِ بينها بعيدٌ عن [12] التَّحقيق، وقد تقدَّم شيءٌ من مباحث ذلك في «البيع» [خ¦2097] قال العينيُّ: و«بل» للإضراب عن قول جابرٍ: خذه بلا ثمنٍ [13] (وَلَكَ ظَهْرُهُ) أي: ركوبه (إِلَى الْمَدِينَةِ) إعارةً (فَلَمَّا دَنَوْنَا) قَرُبنا (مِنَ الْمَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) اسمها: سهيلة (قَدْ خَلَا مِنْهَا) أي: ذهب [14] منها بعض شبابها، ومضى من عمرها ما جرَّبت به الأمور، قال القاضي عياضٌ: ورواه بعضهم بالمدِّ فصحَّف، قاله في «المصابيح» كـ «التَّنقيح»، وفي نسخةٍ: ((قد خلا منها زوجها)) أي: مات، وعليها شرح العينيُّ كالكرمانيِّ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَهَلَّا) تزوَّجت (جَارِيَةً) بِكرًا (تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ) وفي روايةٍ: ((فهلَّا تزوَّجت بكرًا تضاحكك وتضاحكها، وتلاعبك وتلاعبها))؟ (قُلْتُ: إِنَّ أَبِي) عبد الله (تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ) كنَّ تسعًا _كما في «مسلمٍ»_ ولم يُسمَّين (فَأَرَدْتُ أَنْ [15] أَنْكِحَ امْرَأَةً) بفتح الهمزة (قَدْ جَرَّبَتْ) حوادث الدَّهر، وصارت ذات تجربةٍ تقدر على تعهُّد أخواتي، وتفقُّد أحوالهنَّ (قد خَلَا مِنْهَا) بعض شبابها، أو مات زوجها _كما مرَّ_ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَذَلِكَ) مبتدأٌ حُذِف خبره، تقديره: مباركٌ ونحوه (فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (يَا بِلَالُ اقْضِهِ) ثمن جمله (وَزِدْهُ) على ثمنه (فَأَعْطَاهُ) أي: أعطى بلالٌ جابرًا (أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ) ثمن الجمل [16] (وَزَادَهُ قِيرَاطًا) وهذا موضع التَّرجمة؛ فإنَّه لم يذكر قدر ما يعطيه عند أمره بإعطاء الزِّيادة، فاعتمد بلالٌ على العُرْف في ذلك، فزاده قيراطًا (قَالَ جَابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) قال عطاءٌ: (فَلَمْ يَكُنِ الْقِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بكسر الجيم من «جِرابٍ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ _وعزاها في «فتح الباري» لأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ_: ((قِراب)) بكسر القاف، أي: قراب سيفه، وقد زاد مسلمٌ في آخر هذا الحديث من وجهٍ آخر: فأخذه أهل الشَّأم يوم الحرَّة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الشُّروط» [خ¦2718]، ومسلمٌ في «البيوع».
ج4ص162


[1] في غير (ب) و(س): «بشرٍ»، وهو تحريفٌ.
[2] «قد»: ليس في (د).
[3] في (د1) و(ص) و(م): «لمتنٍ».
[4] في (د) و(م): «متعلِّقٌ».
[5] في هامش (ص): ( قوله: «في كتاب الحجِّ»: هذا ظنٌّ منه رحمه الله أنَّه تقدَّم في المقدِّمة، وليس كذلك، وإنَّما مراده: أنَّه مذكور في المتن في «الحجِّ»، فقد ذكره في «باب الإهلال من البطحاء وغيرها»، ولفظه ثَمَّ: وقال عبد الملك _، أي: ابن جريج_ عن عطاء عن جابر رضي الله عنه: قدمنا مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم... إلى آخره، ثمَّ قال: وقال أبو الزبير عن جابر: أهللنا... إلى آخره). انتهى.
[6] «أي»: ليس في (د).
[7] في غير (س): «الجمل».
[8] في غير (س): «فقلت»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[9] «فيه»: ليس في (د1) و(ص) و(م).
[10] في (ب) و(س): «أربعة الدَّنانير».
[11] «على»: ليس في (د) و(ص) و(م)، وفي (د1): «غير»، وهو تحريفٌ.
[12] في (د): «من».
[13] في (م): «بثلاثين»، وفي هامشها: (لعلَّه بلا ثمنٍ).
[14] في (د): «نقص»، وفي نسخةٍ كالمثبت.
[15] «أن»: سقط من (م).
[16] في (د): «جمله»، وفي نسخةٍ كالمثبت.