إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب

(16) (بابُ) حكم (مَا يُعْطَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (فِي الرُّقْيَةِ) بضمِّ الرَّاء وسكون القاف، أي: العوذة (عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ) بفتح الهمزة: طائفةٌ مخصوصةٌ (بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وعُورِض المؤلِّف في قوله: «على أحياء العرب» لأنَّ الحكم لا يختلف باختلاف الأمكنة والأجناس، وأجاب في «فتح الباري»: بأنَّه ترجم بالواقع ولم يتعرَّض لنفي غيره، واعترضه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا الجواب غير مقنعٍ؛ لأنَّ القيد شرطٌ، إذا انتفى ينتفي المشروط. انتهى. وقد شطب عليه في الفرع وأصله [1] (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ممَّا وصله في «الطِّبِّ» [خ¦5737] (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ) وبهذا تمسَّك الجمهور في جواز الأجرة على تعليم القرآن، ومنع ذلك الحنفيَّة في التَّعليم؛ لأنَّه عبادةٌ والأجر فيها على الله تعالى، وأجازوه في الرُّقى لهذا الخبر.
وبقيَّة مبحث [2] ذلك تأتي _إن شاء الله تعالى بعون الله [3]_ في «باب التَّزويج على تعليم القرآن» [خ¦5149].
(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل [4] فيما وصله ابن أبي شيبة: (لَا يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ) على مَنْ يعلِّمه أجرةً (إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ) بالجزم على الأمر وفتح همزة «أَنْ»، والاستثناء منقطعٌ، أي: لكنَّ الإعطاء بدون الاشتراط جائزٌ فيقبله، قال الكرمانيُّ: وفي بعضها: ((إِن))_بكسر الهمزة_، أي: لكن إن يُعَطْ شيئًا بدون الشَّرط فليقبله (وَقَالَ الْحَكَمُ) بفتحتين، ابن عُتَيبة _بالمُثنَّاة [5] والمُوحَّدة [6] مُصغَّرًا_ الكنديُّ الكوفيُّ، ممَّا وصله البغويُّ في «الجعديَّات»: (لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا) من الفقهاء (كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ، وَأَعْطَى الْحَسَنُ) البصريُّ (دَرَاهِمَ عَشَرَةً) أجرة المعلِّم، ممَّا وصله ابن سعدٍ في «الطَّبقات» (وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ (بِأَجْرِ الْقَسَّامِ) بفتح القاف وتشديد المهملة، من القسم، وهو القاسم (بَأْسًا) أي: إذا كان بغير اشتراطٍ، أمَّا مع الاشتراط فكان يكرهه؛ كما أخرجه عنه موصولًا ابن سعدٍ، بل روى عنه الكراهة من غير تقييد عبد بن حُمَيدٍ من طريق يحيى بن عتيقٍ عن محمَّد بن سيرين، ولفظه: أنَّه [7] كان يكره أجور القسَّام ويقول: كان يُقال: السُّحت: الرَّشوة على الحكم، وأرى هذا حكمًا يُؤخَذ عليه الأجر (وَقَالَ) ابن سيرين: (كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ: الرِّشْوَةُ
فِي [8] الْحُكْمِ) بكسر الرَّاء، أخرجه ابن جريرٍ بأسانيده عن عُمَرَ وعليٍّ وابن مسعودٍ وزيد بن ثابتٍ من قولهم، وأخرجه من وجهٍ آخر [9] مرفوعًا برجالٍ ثقاتٍ، لكنَّه مُرسَلٌ، ولفظه: «كلُّ لحمٍ أنبته السُّحت فالنَّار أولى به»، قيل: يا رسول الله وما السُّحت؟ قال: «الرِّشوة في الحكم» (وَكَانُوا يُعْطَوْنَ) الأجرة _بفتح الطَّاء_ (عَلَى الْخَرْصِ) لخارص الثَّمرة، ومناسبة ذكر القسَّام والخارص: الاشتراكُ في أنَّ كلًّا منهما يفصل التَّنازع بين المتخاصمين.
ج4ص137


[1] «وأصله»: ليس في (د1) و(م).
[2] في (د): «مباحث».
[3] «إن شاء الله تعالى بعون الله»: ليس في (د).
[4] زيد في (د): «الشَّعبيُّ»، وهو تكرارٌ.
[5] في (ب) و(س): «بفتح المُثنَّاة».
[6] في (ص): «ثمَّ المُوحَّدة».
[7] «أنَّه»: ليس في (ص).
[8] في (د1) و(ص): «على»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[9] من هنا بداية السَّقط في (د).