إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى

2272- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ [1] ابن شهابٍ أنَّه [2] قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ) قال الجوهريُّ: والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال لا يكون فيهم امرأةٌ، قال الله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النَّمل: 48] فجمع، وليس لهم [3] واحدٌ من لفظهم [4]؛ مثل: ذودٍ (مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ) بقصر الهمزة: لزموا [5]، والمبيت: موضع البيتوتة (إِلَى غَارٍ) كهفٍ في جبلٍ (فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ) هبطت (صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ) بضمِّ الياء، من الإنجاء، أي: لا يخلِّصكم (مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ) بسكون واو «تدعوْا»، وأصله: تدعون، فسقطت النُّون لدخول «أن» (فَقَالَ) بالفاء، ولأبي الوقت: ((قال)) (رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ؛ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ) هو من باب التَّغليب؛ إذ المراد: الأب والأمُّ (وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا) بفتح الهمزة وإسكان [6] الغين المعجمة وكسر المُوحَّدة، آخره قافٌ من الثَّلاثيِّ؛ كذا في الفرع، وفي نسخةٍ: ((أغبُق)) بضمِّ المُوحَّدة وللأَصيليِّ _كما في «الفتح»_: ((أُغبق))؛ بضمِّ الهمزة من الرُّباعيِّ، وخطَّؤوه، والغَبوق: شرب العشيِّ، أي: ما كنت أقدِّم عليهما في شرب نصيبهما من اللَّبن (أَهْلًا) أقارب [7] (وَلَا مَالًا) رقيقًا (فَنَأَى) كـ «سعى» أي: بَعُدَ (بِي) ولكريمة والأَصيليِّ _كما في «الفتح»_: ((فناء)) بمدٍّ بعد النُّون بوزن «جاء»، وهو بمعنى الأوَّل (فِي طَلَبِ شَيْءٍ) بَعُدَ (يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء من «أراح» رباعيًّا [8]، أي: لم أرجع (عَلَيْهِمَا) أي: على أبويَّ (حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ) وللحَمُّويي والمُستملي: ((فحملت)) بالميم (لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ) بالواو، ولأبوي ذرٍّ والوقت: ((فكرهت)) (أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ) أي: والحال أنَّ القدح (عَلَى يَدَيَّ) بتشديد آخره على التَّثنية (أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ) بفتح الرَّاء، أي: ظهر ضياؤه (فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ؛ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ) بفاءين مفتوحتين فراءٍ مكسورةٍ مُشدَّدةٍ (فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ) منه.
(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا) أي: بسبب نفسها أو من جهتها، وللحَمُّويي والمُستملي: ((على نفسها))، أي: مستعليةً عليها، وهو كنايةٌ عن طلب الجماع (فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ) بتشديد الميم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ألممت))، أي: نزلت (بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ) المقحطة فأحوجتها [9] (فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِئَةَ دِينَارٍ) وفي «البيوع» [خ¦2215]: مئةَ دينارٍ، والتَّخصيص بالعدد لا ينافي الزِّيادة، أو المئة كانت بالتماسها والعشرون [10] تبرُّعًا [11] منه كرامةً لها (عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ)
ج4ص134
ذلك (حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦2215]: «فلمَّا قعدت بين رجليها» (قَالَتْ: لَا أَحِلُّ لَكَ) بفتح الهمزة في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: ((أُحِلُّ)) بضمِّها، من الإحلال (أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ) أي: لا يحلُّ لك إزالة البكارة إلَّا بالحلال، وهو النِّكاح الشَّرعيُّ المسوِّغ للوطء (فَتَحَرَّجْتُ) أي: تجنَّبت واحترزت من الإثم النَّاشئ (مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا) بغير حقٍّ (فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا) قال العينيُّ: وفي رواية أبي ذرٍّ: ((التي أعطيتها))، و«الذَّهب» يُذكَّر ويُؤنَّث (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الرَّاء (عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ) أي: من هذه الصَّخرة، وقول الزَّركشيِّ: إنَّه في «البخاريِّ» بقطع الهمزة وكسر الرَّاء، أي: اكشف، وفي رواية غير البخاريِّ: بهمزة وصلٍ وضمِّ الرَّاء، لم أره فيما وقفت عليه من نسخ «البخاريِّ» المُعتَمدة كما قال: بل في [12] كلِّها بهمزة الوصل، فالله أعلم (فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا).
(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ) بضمِّ الهمزة وفتح الجيم والرَّاء، جمع أجيرٍ، وسقط لفظ «إنِّي» لأبي الوقت (فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ) بفتح الهمزة وسكون الجيم (غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ) منهم (تَرَكَ) أجره [13] (الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ) أي: كثَّرتُ (أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ أَدِّي إِلَيَّ أَجْرِي) بياءٍ ثابتةٍ بعد الدَّال، والصَّواب حذفها (فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى) برفع «كلُّ»، والخبر قوله: (مِنْ أَجْرِكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((من أجلك)) باللَّام بدل الرَّاء (مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ) بيانٌ لقوله: «ما ترى»، ولا منافاة بين قوله في السَّابقة: بقرًا وراعيها [14] (فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَسْتَهْزِئْ بِي) بسكون الهمزة مجزومًا على الأمر (فَقُلْتُ) له: (إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ) بالفاء قبل الهمزة (كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا) بالوصل وضمِّ الرَّاء (مَا نَحْنُ فِيهِ) أي: من هذه الصَّخرة (فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا) من الغار (يَمْشُونَ) وقد تعقَّب المُهلَّبُ المصنِّفَ: بأنَّه ليس في الحديث دليلٌ لِمَا ترجم له؛ فإنَّ الرَّجل إنَّما اتَّجر في أجر أجيره ثمَّ أعطاه له على سبيل التَّبرُّع، فإنَّه إنَّما كان يلزمه قدر العمل خاصَّةً.
وهذا الحديث قد [15] سبق في «كتاب البيوع» [خ¦2215] وتأتي بقيَّة مباحثه في أواخر «أحاديث الأنبياء» [خ¦3465] _إن شاء الله تعالى_ بعون الله ومنَّته [16].
ج4ص135


[1] «بن مسلم»: ليس في (د).
[2] «أنَّه»: ليس في (ص).
[3] في (ب): «له».
[4] في (ب) و(س): «لفظه».
[5] في غير (د): «كرموا»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د): «وسكون».
[7] في (ل): «أقاربًا»، وفي هامشها: (قوله: «أقاربًا» كذا بخطِّه، والأَولى: أقاربَ؛ لأنَّه على صيغة منتهى الجموع. انتهى. بخطِّ شيخنا عجمي، ولعلَّه صرفه للتناسب، قال الأشموني: أجاز قومٌ صرف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد اختيارًا). انتهى. بخطِّ شيخنا.
[8] «من «أراح» رباعيًّا»: ليس في (د).
[9] في (ص): «فأ جوعتها».
[10] في غير (س): «والعشرين»، وهو خطٌأ.
[11] في (د): «تبرُّعٌ»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[12] «في»: ليس في (د).
[13] في (د): «الأجر»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[14] قوله: «بيانٌ لقوله: ما ترى، ولا منافاة ... وراعيها»: ليس في (ص) و(م).
[15] «قد»: ليس في (ص) و(م).
[16] في (د): «ومَنِّه».