إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهما

2276- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، جعفر ابن أبي وحشيَّة، واسمه: إياسٌ (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) عليِّ بن داود، ويُقال: ابن دُؤاد _بضمِّ الدَّال بعدها واوٌ بهمزةٍ_ النَّاجي _بالنُّون والجيم_ البصريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ) هو ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال، لكن عند ابن ماجه: أنَّهم كانوا ثلاثين، وكذا عند التِّرمذيِّ، ولم يُسَمَّ أحدٌ منهم، وفي رواية سليمان ابن قَيَّة [1]_بفتح القاف وتشديد التَّحتيَّة_ عند الإمام أحمد: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلًا (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا) أي: في سريَّةٍ عليها أبو سعيدٍ الخدريُّ كما عند الدَّارقُطنيِّ، ولم يعيِّنها أحدٌ من أهل المغازي فيما وقف عليه الحافظ ابن حجرٍ (حَتَّى نَزَلُوا) أي: ليلًا كما في «التِّرمذيِّ» (عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ) قال في «الفتح»: ولم أقف على تعيين الحيِّ الذي نزلوا بهم من أيِّ القبائل هم (فَاسْتَضَافُوهُمْ) أي: طلبوا منهم الضِّيافة (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ) بفتح الضَّاد المعجمة وتشديد التَّحتيَّة، ويروى: ((يضِيفوهم)) بكسر الضَّاد والتَّخفيف (فَلُدِغَ) بضمِّ اللَّام وكسر الدَّال المهملة لا المعجمة _وسها الزَّركشيُّ_ وبالغين المعجمة مبنيًّا
ج4ص137
للمفعول، أي: لُسِع (سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ) أي: بعقربٍ كما في «التِّرمذيِّ»، ولم يُسَمَّ سيِّد الحيِّ (فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) ممَّا جرت العادة أن يتداووا به من لدغة العقرب، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فشَفَوا)) بفتح الشِّين المعجمة والفاء وسكون الواو، أي: طلبوا له الشِّفاء، أي: عالجوه بما يشفيه، وقد زعم السَّفاقسيُّ أنَّها تصحيفٌ (لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعضٍ: (لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ [2] الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا) عندكم (لَعَلَّهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((لعلَّ)) بإسقاط الهاء (أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ) يداويه (فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وشفينا)) (لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ) في رواية معبد بن سيرين [خ¦5007]: أنَّ الذي جاءهم جاريةٌ منهم، فيُحمَل على أنَّه كان معها غيرها (فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ) زاد أبو داود من هذا الوجه: ينفع صاحبنا، وزاد البزَّار: فقالوا لهم: قد بلغنا أنَّ صاحبكم جاء بالنُّور والشِّفاء، قالوا: نعم [3] (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو أبو سعيدٍ الرَّاوي؛ كما في بعض روايات مسلمٍ: (نَعَمْ، وَاللهِ إِنِّي لأَرْقِي) بفتح الهمزة وكسر القاف (وَلَكِنْ) بالتَّخفيف (وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا) بضمِّ الجيم وسكون العين: ما يُعطَى على العمل (فَصَالَحُوهُمْ) أي: وافقوهم (عَلَى قَطِيعٍ [4] مِنَ الْغَنَمِ) وفي رواية النَّسائيِّ: ثلاثون شاةً، وهو مناسبٌ لعدد السَّريَّة _كما مرَّ_ فكأنَّهم اعتبروا عددهم، فجعلوا لكلِّ واحدٍ شاةً (فَانْطَلَقَ) الرَّاقي إلى الملدوغ، وجعل (يَتْفلُ عَلَيْهِ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الفوقيَّة وكسر الفاء وتُضَمُّ: ينفخ نفخًا معه أدنى بزاقٍ، قال العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة في «بهجة النُّفوس»: محلُّ التَّفل في الرُّقية بعد القراءة؛ لتحصل بركة الرِّيق [5] في الجوارح التي يمرُّ عليها، فتحصل البركة في الرِّيق الذي يَتْفلُه (وَيَقْرَأُ: {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}) «الفاتحة» إلى آخرها، وفي رواية الأعمش عند أحمد والتِّرمذيِّ [6]: سبع مرَّاتٍ، وفي حديث جابرٍ: ثلاث مرَّاتٍ، والحكم للزَّائد (فَكَأَنَّمَا نُشِطَ) بضمِّ النُّون وكسر الشِّين المعجمة من الثُّلاثيِّ المُجرَّد، أي: حُلَّ (مِنْ عِقَالٍ) بكسر العين المهملة وبعدها قافٌ: حبلٍ يُشَدُّ به ذراع البهيمة، لكن قال الخطَّابيُّ: إنَّ المشهور أن يُقال في الحلِّ: «أُنشِط» _بالهمزة_ وفي العقد: نُشِط، وقال ابن الأثير: وكثيرًا ما يجيء في الرِّواية: «كأنَّما نُشِط من عقالٍ»، وليس بصحيحٍ، يُقال: نشطت العقدة؛ إذا عقدتها، وأنشطتها وانتشطتها؛ إذا حللتها، وفي «القاموس» كـ «الصِّحاح»: والحبلَ كنَصَرَ: عَقَدَهُ؛ كنشَّطه وأَنْشَطَه: حلَّه، ونقل في «المصابيح» عن الهرويِّ أنَّه رواه: «كأنَّما أُنشِط من عقالٍ»، وعن السَّفاقسيِّ: أنَّه كذلك في بعض الرِّوايات ههنا (فَانْطَلَقَ) الملدوغ، حال كونه (يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ) بحركاتٍ؛ أي علَّةٌ، وسُمِّي بذلك لأنَّ الذي تصيبه يتقلَّب من جنبٍ إلى جنبٍ؛ ليعلم موضع الدَّاء منه، ونُقِل عن خطِّ الدِّمياطيِّ: أنَّه داءٌ مأخوذٌ من القلاب يأخذ البعير، فيشتكي منه قلبه فيموت من يومه (قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ) وهو الثَّلاثون شاةً (فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى) بفتح الرَّاء والقاف: (لَا تَفْعَلُوا) ما ذكرتم من القسمة (حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فَنَذْكُرَ لَهُ) بنصب «نذكرَ» عطفًا على «نأتيَ» المنصوب بـ «أن» المضمرة بعد «حتَّى» (الَّذِي كَانَ) من أمرنا هذا (فَنَنْظُرَ) نُصِب عطفًا على [7] المنصوب (مَا يَأْمُرُنَا) به فنتَّبعه، وفي رواية الأعمش: فلمَّا قبضنا الغنم؛ عرض في أنفسنا منها شيءٌ (فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) المدينةَ (فَذَكَرُوا لَهُ) القصَّة (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام للرَّاقي: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا) أي: الفاتحة (رُقْيَةٌ؟) بضمِّ الرَّاء وإسكان القاف، قال الدَّاوديُّ: معناه: ما أدراك؟ قال: ولعلَّه المحفوظ؛ لأنَّ ابن عيينة قال: إذا قال [8]: «وما يدريك؟» فلم يدره، وما قيل فيه: «وما أدراك» فقد علمه، وأجاب ابن التِّين: بأنَّ ابن عيينة إنَّما قال ذلك فيما وقع في القرآن، وإلَّا فلا فرق بينهما في اللُّغة، وعند الدَّارقُطنيِّ: «وما علمك أنَّها رقيةٌ؟» قال: حقٌّ أُلقِي [9] في رُوعي (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (قَدْ أَصَبْتُمُ) في الرُّقية، أو في توقُّفكم عن التَّصرُّف في الجُعْلِ حتَّى استأذنتموني، أو أعمُّ من ذلك (اقْسِمُوا) الجُعْلَ بينكم (وَاضْرِبُوا) اجعلوا (لِي مَعَكُمْ) منه (سَهْمًا) أي: نصيبًا
ج4ص138
والأمر بالقسمة من باب مكارم الأخلاق، وإلَّا فالجميع للرَّاقي، وإنَّما قال: «اضربوا»؛ تطييبًا لقلوبهم، ومبالغةً في أنَّه حلالٌ لا شبهة فيه (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: ((النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم).
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج فيما وصله التِّرمذيُّ والمؤلِّف في «الطِّبِّ» [خ¦5736] لكن بالعنعنة: (حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ) جعفر بن أبي وحشيَّة السَّابق قال: (سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ) النَّاجي (بِهَذَا) الحديث السَّابق، وفائدة ذكره هذا: تصريح أبي بِشْرٍ بالسَّماع ومتابعة شعبة لأبي عَوانة على الإسناد، وقد تابع أبا عَوانة أيضًا هُشَيمٌ كما في «مسلمٍ» و«النَّسائيِّ»، وخالفهم الأعمش فرواه عن جعفر بن [10] أبي وحشيَّة عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ، فجعل بدل «أبي المتوكِّل» «أبا نضرة»، أخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وليس الحديث مضطربًا، بل الطَّريقان محفوظان، قاله في «الفتح»، وقد سقط قوله «قال أبو عبد الله» إلى آخره في رواية الحَمُّويي، وثبت للمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ.
ومباحث هذا الحديث [11] وما يُستنبَط منه تأتي _إن شاء الله تعالى_ في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦5736] ومطابقته للتَّرجمة واضحةٌ، وفيه أنَّ رجاله كلَّهم مذكورون بالكنى، وهو غريبٌ جدًّا، وكلُّهم بصريُّون غير أبي عوانة فواسطيٌّ، وأخرجه المؤلِّف في «الطِّبِّ» أيضًا، وكذا مسلمٌ، وأخرجه أبو داود فيه وفي «البيوع»، والتِّرمذيُّ فيه، وكذا النَّسائيُّ، وابن ماجه في «التِّجارات».
ج4ص139


[1] كذا جاء في جميع النّسخ، ولعلَّه سبق قلمٍ، والصَّواب: «قَتَّة»؛ كما جاء في كتب التَّراجم، وكذا في «الفتح» (4/532).
[2] «هؤلاء»: ليس في (ص).
[3] قوله: «وزاد البزَّار: فقالوا لهم... قالوا: نعم» ليس في (م).
[4] في هامش (ص): (قوله: «على قطيعٍ»: القطيع: هو الشَّيء المقتطع، من غنمٍ كان أو غيرها، والغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين). انتهى. «توشيح» للسُّيوطيِّ.
[5] في هامش (ص): (قوله: «بركة الرِّيق» كذا بخطِّه، والذي في «الفتح»: بركة القراءة. انتهى. وعبارة العينيِّ: وقيل: محلُّ التَّفل بعد القراءة؛ لتحصل بركة القراءة في الجوارح التي يمرُّ عليها الرِّيق). انتهى.
[6] قوله: «أحمد والتِّرمذيِّ» في النُّسخ بدلًا منه بياضٌ.
[7] هنا نهاية السَّقط من (د).
[8] في (ب) و(س): «قيل».
[9] زيد في (ب) و(س): «إليَّ».
[10] «بن»: سقط من (د).
[11] «الحديث»: ليس في (د).