إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: انخسفت الشمس على عهد رسول الله

1052- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بمثناة تحتية وسين مهملة مخفَّفةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ) بنون بعد ألف الوصل ثمَّ خاءٍ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) أي: زمنه، ولأبي ذَرِّ في نسخةٍ والأَصيليِّ وأبي الوقت: ((على عهد النَّبيِّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أي: بالجماعة ليدلَّ على التَّرجمة (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) وهو يدلُّ على أنَّ القراءة كانت سرًّا ولذا قالت عائشة كما في بعض الطُّرق عنها: «فحزرتُ قراءته، فرأيت أنَّه قرأ سورة البقرة» وأمَّا قول بعضهم: إنَّ ابن عبَّاسٍ كان صغيرًا، فمقامه آخر الصُّفوف، فلم يسمع القراءة، فحزر المدَّة فمعارض [1] بأن في بعض طرقه: «قمت إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم، فما سمعت منه حرفًا» ذكره أبو عمر (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) نحوًا من مئة آيةٍ (ثُمَّ رَفَعَ) من
ج2ص271
الرُّكوع (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) نحوًا من قراءة سورة آل عمران (وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) نحوًا [2] من ثمانين آيةً (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ) أي: سجدتين (ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) نحوًا من النِّساء (وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) نحوًا من سبعين آيةً [3] (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) نحوًا من المائدة (وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) نحوًا من خمسين آية (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ) سجدتَين (ثُمَّ انْصَرَفَ) من الصَّلاة (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) أي: بين جلوسه في التَّشهُّد والسَّلام كما دلَّ عليه قوله في الباب السَّابق: «ثمَّ جلس، ثمَّ جُلِّي عن الشَّمس» (فَقَالَ) بالفاء، وللأَصيليِّ: ((وقال)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) كسوفهما (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَخْسِفَانِ) بفتح الياء وسكون الخاء وكسر السِّين (لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللهَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ) كذا للأكثر: «تناولْتَ» بصيغة الماضي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((تَناولُ [4] ) ) بحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا وضمِّ اللَّام بالخطاب، وللمُستملي: ((تتناول)) بإثباتها (ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ) بالكافين المفتوحتَين والمهملتَين السَّاكنتَين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((تَكَعْكَعتَ)) بزيادة مثنَّاةٍ فوقيَّةٍ أوَّلَه، أي: تأخَّرتَ، أو تقهقرتَ، وقال أبو عبيدة [5]: كعكعتُه فتكعكعَ وهو يدلُّ على: أنَّ «كعكع [6]» متعدٍّ، و«تكعكع» لازمٌ، و«كعكع» يقتضي مفعولًا، أي: رأيناك كعكعت نفسَك، ولمسلمٍ: «رأيناك كففت نفسَك» مِن الكفِّ وهو المنع (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: ((فقال)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ) أي: رؤيا عينٍ كُشِفَ له عنها، فرآها على حقيقتها، وطُوِيَت المسافة بينهما كبيت المقدس حين [7] وصفه لقريش، وفي حديث أسماء الماضي في أوائل «صفة الصَّلاة» [خ¦745] ما يشهد له، حيث قال فيه: «دنت منِّي الجنَّة، حتَّى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطافٍ [8] من قطافها» أو مَثُلَتْ [9] له في الحائط كانطباع الصُّور في المرآة، فرأى جميع ما فيها، وفي حديث أنسٍ الآتي _إن شاء الله تعالى_ في «التَّوحيد» [خ¦6864قبل] ما يشهد له حيث قال فيه: «عُرِضَت عليَّ الجنَّة والنَّار آنفًا في عرض هذا الحائط، وأنا أصلِّي»، وفي روايةٍ: «لقد مَثُلَتْ» ولمسلمٍ: «صُوِّرَت»، ولا يقال: الانطباع إنَّما هو في الأجسام الصَّقيلة لأنَّ ذلك شرطٌ عاديٌّ، فيجوز أن تنخرق العادة خصوصًا له صلى الله عليه وسلم (فَتَنَاوَلْتُ) أي: في حال قيامه الثَّاني من الرَّكعة الثَّانية كما رواه سعيد بن منصورٍ من وجهٍ آخر، عن زيد بن أسلم (عُنْقُودًا) منها، أي: من الجنَّة، أي: وضعت يدي عليه بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يُقدَّر لي قطفه (وَلَوْ أَصَبْتُهُ) أي: لو تمكَّنت من قطفه، وفي [10] حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة ما يشهد لهذا التَّأويل حيث قال فيه: «أهوى بيده ليتناول شيئًا» (لأَكَلْتُمْ مِنْهُ) أي: من [11] العنقود (مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا) وجه ذلك أنَّه يخلق الله تعالى مكان كلِّ حبَّةٍ تنقطف حبَّةً أخرى كما هو المرويُّ في خواصِّ ثمر الجنَّة، والخطاب عامٌّ في كلِّ جماعةٍ يتأتَّى منهم السَّماع، والأكل إلى يوم القيامة لقوله: «ما بقيت الدُّنيا»، وسبب تركه عليه الصلاة والسلام تناول العنقود: قال ابن بطَّالٍ: لأنَّه من طعام الجنَّة وهو لا يفنى، والدُّنيا فانيةٌ لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. وقال صاحب «المُظْهَرِ»: لأنَّه لو تناوله ورآه النَّاس لكان إيمانهم بالشَّهادة لا بالغيب، فيُخْشى أن يقع رفع التَّوبة، قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ} [الأنعام: 158]. وقال غيره: لأنَّ الجنَّة جزاء الأعمال، والجزاء لا يقع إلَّا في الآخرة (وَأُرِيتُ النَّارَ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء مبنيًّا للمفعول، وأقيم المفعول _الَّذي هو الرَّائي في الحقيقة_ مقام الفاعل، و«النَّار» نصبٌ مفعولٌ ثانٍ لأنَّ «أُرِيتُ» مِن الإراءة؛ وهو يقتضي مفعولَين، ولغير أبي ذرٍّ _كما [12] في «الفتح»_: ((ورأيت)) بتقديم الرَّاء على الهمزة مفتوحتَين، وكانت رؤيته النَّار قبل رؤيته للجنَّة [13] كما يدلُّ له رواية عبد الرَّزَّاق حيث قال فيها: «عُرِضَت على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم النَّار، فتأخَّر عن مصلَّاه حتَّى إنَّ النَّاس لَيركب بعضهم بعضًا، وإذ [14] رجع عُرِضَت عليه الجنَّة، فذهب يمشي حتَّى وقف في مصلَّاه» ويؤيِّده حديث مسلم حيث قال فيه: «قد جِيء بالنَّار وذلك حين رأيتموني تأخَّرتُ مخافة أن يصيبني
ج2ص272
من لفحها»، وفيه: «ثمَّ جِيء بالجنَّة وذلك [15] حين رأيتموني تقدَّمتُ حتَّى قمتُ مقامي...» الحديث، واللَّام في «النَّار» للعهد، أي: رأيت [16] نار جهنَّم (فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا _كَالْيَوْمِ_ قَطُّ) «منظرًا» نصبٌ بـ «أَرَ»، و«قطُّ»؛ بتشديد الطَّاء وتخفيفها؛ ظرفٌ للماضي [17]، وقوله: (أَفْظَعَ): أقبح وأشنع وأسوأ؛ صفةٌ للمنصوب، و«كاليوم قَطُّ» اعتراضٌ بين الصِّفة والموصوف، وأدخل كاف التَّشبيه عليه لبشاعة ما رأى فيه، وجوَّز الخطَّابيُّ في: «أفظع» وجهين: أن يكون بمعنى فظيع؛ كـ «أكبر» بمعنى كبير، وأن يكون «أفعل» تفضيلٍ على بابه على تقديرٍ منه، فصفة [18] «أَفْعَل» التَّفضيل محذوفةٌ، قال ابن السِّيد: العرب تقول: ما رأيت كاليوم رجلًا، وما رأيت كاليوم منظرًا، والرَّجل والمنظر لا يصحُّ أن يُشبَّها باليوم، والنُّحاة تقول: معناه ما رأيت كرجلٍ أراه اليومَ رجلًا، وما رأيت كمنظرٍ رأيته اليومَ منظرًا، وتلخيصه: ما رأيت كرجلٍ اليومَ رجلًا، وكمنظرٍ اليومَ منظرًا، فحُذِفَ المضاف وأُقِيم المضاف إليه مقامه، وجازت إضافة الرَّجل والمنظر إلى اليوم لتعلُّقهما به، وملابستهما له باعتبار رؤيتهما فيه. وقال غيره: الكاف هنا: اسمٌ، وتقديره: ما رأيت مثلَ منظر هذا اليوم منظرًا، و«منظرًا» تمييزٌ، ومراده باليوم الوقت الَّذي هو فيه، ذكره الدَّمامينيُّ والبرماويُّ، لكن تعقَّب [19] الدَّمامينيُّ الأخير _وهو قوله: وقال غيره... إلى آخره_ بأنَّ اعتباره في الحديث يلزم منه تقدُّم [20] التَّمييز على عامله، والصَّحيح منعُه، فالظَّاهر في إعرابه أنَّ «منظرًا»: مفعول «أَرَ»، و«كاليومِ»: ظرفٌ مستقرٌّ صفةٌ له، وهو بتقدير مضافٍ محذوفٍ كما تقدَّم، أي: كمنظر اليوم، و«قطُّ»: ظرفٌ لـ «أَرَ»، و«أفظعَ»: حالٌ من اليوم على ذلك التَّقدير، والمفضَّل عليه وجارُه محذوفان، أي: كمنظر اليوم حال كونه أفظعَ من غيره. انتهى. وللحَمُّويي والمُستملي: ((فلم أنظر كاليوم قطُّ أفظعَ)) (وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) استُشكِلَ مع حديث أبي هريرة: «إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلةً مَن له زوجتان من الدُّنيا، ومقتضاه: أنَّ النِّساء ثلثا أهل الجنَّة»، وأُجيبَ بحمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهنَّ من النَّار، أو أنَّه خرج مخرج التَّغليظ والتَّخويف، وعُورضَ بإخباره عليه الصلاة والسلام بالرُّؤية الحاصلة، وفي حديث جابرٍ: «وأكثر من رأيتُ فيها النِّساء اللَّاتي إِن ائتُمِنَّ أفشين، وإِن سُئِلنَ بخلن، وإن سَأَلن ألحفن، وإن أُعطِين لم يشكرن» فدلَّ على أنَّ المرئيَّ في النَّار [21] منهنَّ مَن اتَّصف بصفاتٍ ذميمةٍ (قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أصله: بما، بالألف وحُذِفَت تخفيفًا (قال: بِكُفْرِهِنَّ، قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللهِ؟) وللأربعة [22]: ((أيكفرن بالله؟)) بإثبات همزة الاستفهام (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) الزَّوج، أي: إحسانه لا ذاته، وعُدِّي الكفر بالله بالباء ولم يُعَدَّ كُفْر العشير بها لأنَّ كفر العشير لا يتضمَّن معنى الاعتراف، ثمَّ فسَّر كفر العشير بقوله: (وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ) فالجملة مع الواو مبيِّنةً للجملة الأولى، على طريق: أعجبني زيدٌ وكرمه، وكفرُ الإحسان تغطيتُه [23] وعدم الاعتراف به، أو جحدُه وإنكاره كما يدلُّ عليه قوله: (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ) عمر الرَّجل، أو الزَّمان جميعه لقصد المبالغة نصبٌ على الظَّرفيَّة (ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) قليلًا لا يوافق غرضها في أيِّ شيءٍ كان (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) وليس المراد من قوله: «أحسنْتَ» خطاب رجلٍ بعينه، بل كلُّ مَن يتأتَّى منه الرُّؤية، فهو خطابٌ خاصٌّ لفظًا، عامٌّ معنًى.
ج2ص273


[1] في (م) و(ص) «معارض».
[2] قوله: «من قراءة سورة آل عمران وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا نحوًا» سقط من (م).
[3] «آية»: ليس في (ص) و(م).
[4] في (ص): «تناولت»، وليس بصحيحٍ.
[5] في (د): «عبيد»، وهو تحريفٌ.
[6] زيد في (د): «مِن: هو المنع».
[7] في (ب): «حيث».
[8] في (ص): «بقطف».
[9] في (د) و(س): «مثلث»، وهو تصحيفٌ.
[10] في غير (د) و(س): «مِن».
[11] «من»: ليس في (د).
[12] في (د) و(م): «ممَّا».
[13] في (د): «الجنَّة».
[14] في (د) و(ص): «وإذا».
[15] «وذلك»: مثبتٌ من (د) و(س).
[16] في (د) و(ص): «أُرِيتُ».
[17] قوله: «وقطُّ؛ بتشديد الطَّاء وتخفيفها؛ ظرفٌ للماضي» جاء في (م) بعد لفظ: «للمنصوب» اللَّاحق، وجاء في (د) بعد قوله: «لبشاعة ما أرى فيه» اللَّاحق.
[18] في (د): «فصلة»، وهو تحريفٌ.
[19] في (م): «تعقَّبه».
[20] في (ب): «تقديم».
[21] زيد في (ص): «في الدُّنيا».
[22] كتب فوقها في (ص) الرُّموز: «ص س ط 5»، وسبق بيانها في المقدمة.
[23] في (م): «بتغطيته».