إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: هما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته

1046- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكير؛ بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، المصريُّ، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا ابن بكير)) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ.
(ح) للتَّحويل (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر البصريُّ، عُرِفَ بابن الطَّبرانيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا [1] عَنْبَسَةُ) بفتح العين والموحَّدة بينهما نونٌ ساكنةٌ والسِّين مهملةٌ، ابن خالد بن يزيد الأيليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فَخَرَجَ) من الحجرة (إِلَى الْمَسْجِدِ) لا الصَّحراء لخوف الفوت بالانجلاء، والمبادرة إلى الصَّلاة مشروعةٌ (فَصَفَّ) بالفاء، ولابن عساكر: «وصفَّ» (النَّاسُ وَرَاءَهُ) برفع «النَّاس» فاعلُ ((صفَّ)) (فَكَبَّرَ) تكبيرة الإحرام (فَاقْتَرَأَ) بالفاء فيهما (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قِرَاءَةً طَوِيلَةً) في قيامه [2] نحوًا من سورة البقرة، أي: بعد الفاتحة والتَّعوُّذ، ولأبي داود: قالت: «فقام، فحزرت قراءته، فرأيت أنَّه قرأ سورة البقرة» (ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) مسبِّحًا فيه قدر مئة آية من البقرة (ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ربَّنا ولك الحمد (فَقَامَ) من الرُّكوع (وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً) في قيامه (_هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى_) نحوًا من سورة آل عمران بعد قراءة الفاتحة والتَّعوُّذ، ولأبي داود: قالت [3] «فحزرتُ قراءته فرأيتُ أنَّه قرأ سورة آل عمران» (ثُمَّ كَبَّرَ، وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ _في نسخةٍ_ وأبي الوقت: ((هو)) بإسقاطها (أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ) مسبِّحًا فيه قدر ثمانين آية (ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) كذا ثبتت: «ربَّنا ولك الحمد» هنا دون الأولى، ولأبي داود: «فاقترأ قراءةً طويلةً، ثمَّ كبَّر، فركع ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد، ثمَّ قام فاقترأ قراءةً طويلةً _هي أدنى من القراءة الأولى_ ثمَّ كبَّر فركع ركوعًا طويلًا _هو أدنى من الركوع الأوَّل_ ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد...» الحديث (ثُمَّ سَجَدَ) مسبِّحًا قدر مئة آيةٍ (ثُمَّ قَالَ) أي: فعل (فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ) بمدِّ الهمزة من غير ياءٍ بعد الخاء (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مثل ما فعل في الركعة الأولى، لكن القراءة في أوَّلهما [4]: كالنِّساء، وفي ثانيهما [5]: كالمائدة، وهذا نصُّ الشَّافعيِّ في «البويطيِّ»، قال السُّبكيُّ: وقد ثبت بالإخبار تقدير القيام الأوَّل بنحو البقرة، وتطويله على الثَّاني والثَّالث، ثمَّ الثَّالث على الرَّابع، وأمَّا نقصُ الثَّالث عن [6] الثَّاني أو زيادته عليه فلم يَرِد فيه شيءٌ فيما أعلم، فلأجله لا بُعْدَ في ذكر سورة النِّساء فيه [7] وآل عمران في الثَّاني. نعم إذا قلنا: بزيادة ركوعٍ ثالثٍ؛ فيكون أقصر من الثَّاني كما ورد في الخبر. انتهى. والتَّسبيح في أوَّلها [8] قدر سبعين، والرَّابع: خمسين، قال الأذرعيُّ: وظاهر كلامهم استحباب هذه الإطالة وإن لم يرضَ بها المأمومون، وقد يُفرَّق بينهما وبين المكتوبة بالنُّدرة، أو أن يقال: لا يطيل بغير رضا المحصورين لعموم حديث: «إذا صلَّى أحدكم بالنَّاس فليخفِّف» وتُحمَل إطالته صلى الله عليه وسلم على [9] أنَّه علم رضا أصحابه، أو أنَّ ذلك مغتفرٌ [10] لبيان تعليم الأكمل بالفعل (فَاسْتَكْمَلَ) عليه الصلاة والسلام (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي) ركعتين و(أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) وسُمِّيَ الزَّائد ركوعًا باعتبار المعنى اللَّغويِّ، وإن كانت الرَّكعة الشَّرعيَّة إنَّما هي الكاملة قيامًا وركوعًا وسجودًا (وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ) بنون قبل الجيم، أي: صَفَت (قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ) من صلاته (ثُمَّ قَامَ) أي: خطيبًا (فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) وهذا موضع التَّرجمة، ولم يقع التَّصريح في هذا الحديث بالخطبة. نعم [11] صُرِّح بها في حديثِ عائشة _من رواية هشام_ المعلَّقِ هنا الموصولِ قبلُ بباب، وأورد المؤلَّف حديثها هذا من طريق ابن شهابٍ ليبيِّن أنَّ الحديث واحدٌ، وأنَّ الثَّناء المذكور في طريق ابن شهابٍ هذه كان في الخطبة، واختُلِفَ فيها فيه [12]؛ فقال الشَّافعيُّ: يُستَحَبُّ أن يخطب لها بعد الصَّلاة.
ج2ص265
وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد [13] ذلك. وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: لا خطبة فيها، وعلَّله صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: بأنَّه لم يُنقَل، وأُجيبَ: بأنَّ الأحاديث ثابتةٌ فيه، وهي ذات كثرةٍ على ما لا يخفى، وعلَّله بعضهم بأنَّ خطبته عليه الصلاة والسلام إنَّما كانت للردِّ عليهم في قولهم: إنَّ ذلك لِمَوْتِ إبراهيم، فعرَّفهم أنَّ ذلك لا يكون لموت أحدٍ ولا لحياته، وعُورضَ بما في الأحاديث الصَّحيحة من التَّصريح بالخطبة وحكاية شرائطها؛ من: الحمد، والثَّناء، والموعظة، وغير ذلك ممَّا تضمَّنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعيَّة الاتِّباع، والخصائص لا تثبت إلَّا بدليلٍ، والمستحبُّ أن تكون خطبتين كالجمعة في الأركان، فلا تجزئ واحدةٌ (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام في الخطبة: (هُمَا) أي: كسوف الشَّمس والقمر (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) أي: كسوف الشَّمس والقمر، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((رأيتموها)) بالإفراد، أي: الكسفة (فَافْزَعُوا) بفتح الزَّاي، أي: التجئوا [14] وتوجَّهوا (إِلَى الصَّلَاةِ) المعهودة الخاصة، السَّابق فعلها منه عليه الصلاة والسلام قبل الخطبة لأنَّها ساعة خوفٍ.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مصريُّون _بالميم_ إلَّا الزُّهريَّ وعروة فمدنيَّان، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦748]، ومسلمٌ في «الكسوف» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه، قال الزُّهريُّ عطفًا على قوله: حدَّثني عروة: (وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطَّلب الهاشميُّ، أبو تمام، صحابيٌّ صغيرٌ؛ وهو بالمثلَّثة والرَّفع اسمُ «كان»، وخبرها «يُحدِّث» مقدَّمًا، أي: وكان كثيرُ يحدِّث: (أَنَّ) أخاه لأبيه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها في «مسلمٍ» عن عروة عنها [15]: «أنه صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلَّى أربع ركعاتٍ في ركعتين، وأربع سجدات» قال الزُّهريُّ: وأخبرني كثيرُ بن عبَّاسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّه صلَّى أربع ركعاتٍ في ركعتين وأربع سجدات... الحديث، قال الزُّهريُّ: (فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام الفقيه التَّابعيُّ المتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ: (إِنَّ أَخَاكَ) أي: عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام [16] الصَّحابيُّ رضي الله عنه (يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ [17] بِالْمَدِينَةِ) بفتح الخاء والسِّين (لَمْ يَزِدْ عَلَى) صلاة (رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ) صلاة (الصُّبْحِ) في العدد والهيئة (قَالَ) عروة: (أَجَلْ) يعني: نعم، صلَّى كذلك (لأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» [18]: ((إنَّه أخطأ السُّنَّة)) أي: جاوزها سهوًا أو عمدًا بأَنْ أدَّى اجتهاده إلى ذلك؛ لأنَّ السُّنَّة أن يُصلَّى في كلِّ ركعةٍ ركوعان. نعم ما فعله عبد الله يتأدَّى به أصل السُّنَّة وإن كان فيه تقصيرٌ بالنِّسبة إلى كمال السُّنَّة، فإن قلت: الأَولى الأخذ بفعل عبد الله لكونه صحابيًّا، لا بقول أخيه عروة التَّابعيِّ، أُجيبَ: بأنَّ قول عروة: «السُّنَّة كذا» وإن قلنا: إنَّه مرسلٌ على الصَّحيح، لكن قد ذكرَ عروة مستنده في ذلك وهو خبر عائشة المرفوع، فانتفى عنه احتمال كونه موقوفًا أو منقطعًا، فترجَّح المرفوع على الموقوف، فلذلك حكم على صنيع أخيه بالخطأ بالنِّسبة إلى الكمال، والله أعلم.
ج2ص266


[1] في (د): «حدَّثني».
[2] «في قيامه»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[3] في غير (ص): «قال».
[4] في (م): «أوَّلها».
[5] في (م): «ثانيها».
[6] في (ص): «على»، وليس بصحيحٍ.
[7] «فيه»: ليس في (م).
[8] في (ب): «أوَّلهما».
[9] «على»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[10] في (م): «يُغتفَر»، وفي (ص) و(ب): «مفتقر».
[11] في (م): «ثمَّ».
[12] «فيه»: ليس في (د).
[13] في (ب) و(س): «أحد».
[14] في (م): «الجؤوا».
[15] في غير (د): «عنه».
[16] زيد في (د): «الفقيه».
[17] «الشَّمس»: ليس في (د).
[18] «من غير اليونينيَّة»: ليس في (م).