إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إنهما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته

1047- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيد بن كثيرٍ؛ بالمثلَّثة، ابن عُفَيرٍ؛ بضمِّ العين وفتح الفاء [1] المصريُّ [2] الأنصاريُّ [3] (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، المصريُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريَّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، التَّابعيُّ: (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: ((أنَّ النَّبيَّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالخاء المفتوحة (فَقَامَ فَكَبَّرَ) للإحرام (فَقَرَأَ) بعد الفاتحة (قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ) بعد أن كبَّر (رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) أي: من الرُّكوع (فَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ربَّنا لك الحمد (وَقَامَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: ((فقام)) (كَمَا هُوَ، ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، وَهْيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ) ثانيًا (رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْيَ) أي: الرَّكعة (أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ) بمدِّ الهمزة بغير ياءٍ قبل الرَّاء (مِثْلَ ذَلِكَ) من طول القراءة وزيادة الرُّكوع بعده [4]، لكنَّه أدنى قراءةً وركوعًا من الأولى، والرَّابعة أدنى من الثَّالثة، فيستحَبُّ أن يقرأ في الأربعة السُّور الأربعة الطِّوال: البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والمائدة، ويسبَّح في الرُّكوع الأوَّل والسُّجود في كلٍّ منهما قَدْرَ مئة آيةٍ من البقرة، وفي الثَّاني قدر ثمانين، وفي الثَّالث قدر سبعين، وفي الرَّابع قدر خمسين تقريبًا _كما مرَّ_ ولا يطيل في غير ذلك مِن الاعتدال بعد الرُّكوع الثَّاني، والتَّشُّهد، والجلوس بين السَّجدتين، لكن قال في «الرَّوضة» بعد نقله عن قطع الرَّافعيِّ وغيره: إنَّه لا يطيل الجلوس، وقد صحَّ في حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سجد فلم يكد يرفع ثم رفع [5] فلم يكد يسجد، ثمَّ سجد [6] فلم يكد يرفع، ثمَّ فعل في الرَّكعة الأخرى مثل ذلك، ومقتضاه كما قال في «شرح المهذَّب»: استحباب إطالته، واختاره في «الأذكار» (ثُمَّ سَلَّمَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد اللَّام (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ) بالكاف: (إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر السِّين بينهما خاءٌ معجمةٌ، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّه استعمل كلَّ واحدٍ من الكسوف والخسوف في كلِّ واحدٍ من القمرين، وقول ابن المنيِّر متعقِّبًا المصنِّف في استدلاله بقوله: «يخسفان» على جواز إطلاق ذلك على كلٍّ من الشَّمس والقمر، حيث قال: أمَّا الاستشهاد [7] على الجواز في حال الانفراد بالإطلاق في التَّثنيَّة فغير متَّجهٍ [8] لأنَّ التَّثنيَّة باب تغليبٍ، فلعلَّه غلَّب أحد الفعلين كما غلَّب أحد الاسمين، تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» بأنَّ التَّغليب مجازٌ، فدعواه على خلاف الأصل، فالاستدلال بالحديث متأتٍّ، وقوله: كما غلَّب أحد الاسمين؛ إِن أراد في هذا الحديث الخاصَّ فممنوعٌ، وإِن أراد فيما هو خارجٌ كالقمرين فلا يفيده، بل ولو كان في هذا الحديث ما يقتضي تغليب أحد الاسمين لم يلزم منه [9] تغليب أحد الفعلين. انتهى. (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) بضمير التَّثنية، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: ((فإذا رأيتموها)) بالإفراد (فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ) بفتح الزَّاي وبالعين
ج2ص267
المهملة، أي: توجَّهوا إليها. واستُنبِطَ منه: أنَّ الجماعة ليست شرطًا في صحَّتها لأنَّ فيه إشعارًا بالمبادرة إلى الصَّلاة والمسارعة إليها، وانتظارُ الجماعة قد يؤدِّي إلى فواتها أو إلى إخلاء بعض الوقت من الصَّلاة. نعم يُستَحَبُّ لها الجماعة، وفي قوله: «ثمَّ سجد سجودًا طويلًا» الرَّدُّ على من زعم أنَّه لا يُسَنُّ تطويل السُّجود في الكسوف، ويأتي البحث فيه حيث ذكره المؤلِّف في بابٍ مفردٍ.
ج2ص268


[1] «وفتح الفاء»: ليس في (د).
[2] «المصريُّ»: مثبتٌ من (ص) .
[3] زيد في (ب) و(د) و(س) و(م): «البصريُّ»، وهو تحريفٌ.
[4] في غير (م): «بعده».
[5] في (م): «يرفع».
[6] في (م): «يسجد».
[7] في (د): «استشهاده».
[8] في (د) و(ص): «متوجِّه»، وفي (م): «متوجِّهة».
[9] «منه»: ليس في (ص).