إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان

1048- وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفيُّ البغلانيُّ، وسقط «بن سعيد» لأبي ذَرٍّ في نسخةٍ ولأبي الوقت وابن عساكر والأَصيليِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهمٍ الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن عبيدٍ (عَنِ الْحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نفيع بن الحارث رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) لمَّا كسفت الشَّمس، وقالوا: إنَّما كسفت لموت إبراهيم: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي: كسوفهما؛ لأنَّ التَّخويف إنَّما هو بخسوفهما [1] لا بذاتهما، وإن كان في [2] كلِّ شيءٍ من خلقه آيةٌ من آياته ولذا قال الشَّافعيُّ _فيما رأيته في «سنن البيهقيِّ»_ في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} الآية [فُصِّلت: 37] وقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} الآية [البقرة: 164] مع ما [3] ذكر الله من الآيات في كتابه، ذكر الله الآيات ولم يذكر معها سجودًا إلَّا مع الشَّمس والقمر، فأمر ألَّا [4] يسجد لهما، وأمر بأن يُسجَد له، فاحتمل أمره أن يسجد له عند ذكر حادث في الشَّمس والقمر، واحتمل أن يكون إنَّما نهى عن السُّجود لهما كما نهى عن عبادة ما سواه، فدلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يصلِّي لله عند كسوفهما، ولا يفعل ذلك في شيء من الآيات [5] غيرهما.... انتهى. (لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ) إذ هما خلقان مسخَّران، ليس لهما سلطانٌ في غيرهما، ولا قدرة على الدَّفع عن أنفسهما، وزاد أبو ذرٍّ هنا: ((ولا لحياته)) بلام قبل الحاء، وله في أخرى: ((ولا حياته)) بحذفها (وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا) أي: بالكسفة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((بهما)) (عِبَادَهُ) ولأبي ذَرٍّ، عن الحَمُّويي [6] والمُستملي: ((ولكن يخوِّف الله بهما عباده)) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ولكن الله يخوِّف [7] بها عباده)) [8]، فالكسوف من آياته تعالى المخوِّفة، أمَّا إنِّه آية من آيات الله فلأنَّ الخلق عاجزون عن ذلك، وأمَّا إنَّه من الآيات المخوِّفة [9] فلأنَّ تبديل [10] النُّور بالظُّلمة تخويفٌ، والله تعالى إنَّما يخوِّف عباده [11] ليتركوا المعاصي، ويرجعوا لطاعته [12] الَّتي بها [13] فوزُهم، وأفضلُ الطَّاعات بعد الإيمان الصَّلاة، وفيه: ردٌّ على أهل الهيئة حيث قالوا: إنَّ الكسوف أمرٌ عاديٌّ لا تأخير فيه ولا تقديم لأنَّه لو كان كما زعموا لم يكن فيه تخويفٌ ولا فزعٌ، ولم يكن للأمر بالصَّلاة والصَّدقة معنًى، ولَئِن سلَّمنا ذلك فالتَّخويف باعتبار أنَّه يذكِّر بالقيامة [14] لكونه أُنموذجًا [15]، قال الله تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ} الآية [القيامة: 7-8] ومن ثمَّ قام عليه الصلاة والسلام فزعًا يخشى [16] أن تكون السَّاعة كما في روايةٍ أخرى، وكان عليه الصلاة والسلام إذا اشتدَّ هبوب الرِّياح تغيَّر، ودخل وخرج خشية أن يكون كريح عادٍ وإن كان هبوب الرِّياح أمرًا عاديًّا، وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقلَّ من ذلك؛ إذ كلُّ مافي العالم عُلْويِّه وسُفْلِيِّه دليلٌ على نفوذ قدرة الله تعالى وتمام قهره، فإن قلت: التَّخويف عبارةٌ عن إحداث الخوف بسببٍ، ثمَّ قد يقع الخوف وقد لا يقع، وحينئذٍ يلزم الخلف في الوعيد، فالجواب كما في «المصابيح» المنعُ لأنَّ الخلف وضدُّه من عوارض الأقوال، وأمَّا الأفعال فلا، إنَّما هي من جنس المعاريض، والصَّحيح عندنا _فيما يتميَّز به الواجب_ أنَّه التَّخويف ولهذا لم يلزم الخلف على تقدير المغفرة، فإن قيل: الوعيد لفظٌ فكيف يخلُص من الخُلْف؟ فالجواب أنَّ لفظ الوعيد عامٌّ أريد به الخصوص، غير أنَّ كلَّ واحدٍ يقول: لعلِّي داخلٌ في العموم، فيحصل له التَّخويف، فيحصل الخوف [17] وإن كان الله تعالى لم يرده في العموم، ولكن [18] أراد تخويفه بإيراد العموم، وستر العاقبة عنه [19] في بيان أنَّه
ج2ص268
خارجٌ منه، فيجتمع حينئذٍ الوعيد والمغفرة، ولا خُلْفَ، ومصداقه في قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] قاله الدَّمامينيُّ. (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك كلُّه للأربعة (لَمْ) ولأبي الوقت [20] والأَصيليِّ وابن عساكر [21]: ((ولم)) (يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ) [22] بن سعيدٍ التَّنوريُّ؛ بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وتشديد النُّون، البصريُّ فيما أخرجه المؤلِّف في «صلاة كسوف القمر» [خ¦1063] (وَشُعْبَةُ) بن الحجَّاج مَّا سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في «كسوف القمر» [خ¦1062] (وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان الواسطيُّ _ممَّا سبق_ [23] في «أوَّل الكسوف» [خ¦1040] (وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ابن دينار الرَّبعيُّ ممَّا وصله الطَّبرانيُّ من رواية حجَّاج بن منهالٍ عنه (عَنْ يُونُسَ) بن عُبيد [24] المذكور: (يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا) وللحَمُّويي: ((بهما)) (عِبَادَهُ) وسقطت الجلالة لغير أبي ذَرٍّ [25] (وَتَابَعَهُ) أي: تابع يونسَ في روايته عن الحسن (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة وبالمثلَّثة، ابن عبد الملك الحُمرانيُّ؛ بضمِّ الحاء المهملة، البصريُّ، ممَّا وصله النَّسائيُّ (عَنِ الْحَسَنِ) البصريِّ يعني: في حذف قوله: «يخوِّف الله بهما عباده» (وَتَابَعَهُ مُوسَى) هو ابن إسماعيل التَّبوذكيُّ كما جزم به المزِّيُّ، أو هو ابن داود الضَّبِّيُّ كما [26] قاله الدُّمياطيُّ، لكن رجَّح الحافظ ابن حجرٍ الأوَّل بأنَّ ابن [27] إسماعيل معروفٌ في رجال البخاريِّ، بخلاف ابن داود (عَنْ مُبَارَكٍ) بضمِّ الميم وفتح الموحَّدة، هو ابن فضالة بن أبي أميَّة القرشيُّ العدويُّ البصريُّ، وقد روى هذا الطَّبرانيُّ من رواية أبي الوليد، وقاسم بن أصبغٍ من [28] رواية سليمان بن حربٍ، كلاهما عن مباركٍ (عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا) أي: بالكسوفين، ولابن عساكر: ((بها)) أي: بالكسفة، ولأبي الوقت: ((عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، يخوِّف الله بهما)) ولأبي ذَرٍّ كذلك إلَّا أنَّه قال: «يخوِّف بهما» (عِبَادَهُ) فأسقط لفظَ الجلالة بعد «يخوِّف»، ولفظَ: «إنَّ الله تعالى» قبلها كأبي الوقت، وفي هذه المتابعة الرَّدُّ على ابن أبي خيثمة؛ حيث نفى سماع الحسن من [29] أبي بكرة، فإنَّه قال فيها: أخبرني أبو بكرة والمثبِتُ مقدَّمٌ على النَّافي، وقد سبق مزيدٌ لذلك قريبًا، ووقع في «اليونينيَّة» [30] في رواية غير أبي ذَرٍّ: متابعة أشعث عن الحسن عَقِب قوله في آخر متابعة موسى: «يخوِّف [31] بهما [32] عباده»، قال في الفتح: والصَّواب تقديمها لخلوِّ رواية أشعث من قوله: «يخوِّف بهما عباده». نعم في بعض النُّسخ سقوط متابعة أشعث، وثبتت في هامش «اليونينيَّة» لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر متقدِّمةً على متابعة موسى، والله أعلم.
ج2ص269


[1] في (م): «لخسوفهما».
[2] «في»: مثبتٌ من (ص).
[3] زيد في (ص): «في».
[4] في غير (د) و(س): «ألَّا».
[5] زيد في (د): «في».
[6] في (م): «للحمويي» بدل قوله: «ولأبي ذر عن الحمويي».
[7] في (د): «بهما».
[8] قوله: «ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ولكن الله يخوِّف بها عباده» سقط من (ب) و(م).
[9] في (ص): «المخلوقة»، وليس بصحيحٍ.
[10] في (د): «تبدُّل».
[11] في (م): «عبده»، وهوتحريفٌ.
[12] في (م): «إلى طاعته».
[13] في (م): «عليها»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[14] في (ب) و(س): «القيامة».
[15] في (ب): «نموذجًا».
[16] في (ب) و(د) و(س): «فخشيَ».
[17] «فيحصل الخوف»: سقط من (د).
[18] في (د): «والحقُّ».
[19] في (د): «على».
[20] في (د): «ولأبوي ذَرٍّ والوقت»، وليس بصحيحٍ.
[21] «ابن عساكر»: سقط من (ب).
[22] زيد في (د): «الوارث».
[23] «ممَّا سبق»: ليس في (ص).
[24] في (د): «عبد الله»، وليس بصحيحٍ.
[25] قوله: «وسقطت: الجلالة لغير أبي ذَرٍّ» سقط من (م).
[26] «كما»: ليس في (ب).
[27] «بن»: سقط من (د).
[28] في (ب): «في».
[29] في (د): «عن».
[30] في (ص): «الفرع».
[31] زيد في (د) اسم الجلالة: «الله»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[32] في (م): «بها».